تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
إطلاق الجسم لا يجوز : المسألة التاسعة [ إطلاق الجسم لا يجوز ] : أطلق أكثر الكرامية لفظ « الجسم » على اللّه تعالى فقالوا : لا نريد به كونه مركبا مؤلفا من الأعضاء ، وإنما نريد به كونه موجودا قائما بالنفس غنيا عن المحل وأما سائر الفرق فقد أطبقوا على إنكار هذا الاسم . ولنا مع الكرامية مقامان : المقام الأول : أنا لا نسلم أنهم أرادوا بكونه جسما معنى غير الطول والعرض والعمق ، وكيف لا نقول ذلك وأنهم يقولون : أنه تعالى فوق العرش ، ولا يقولون إنه في الصغر مثل الجوهر الفرد ، والجزء الذي لا يتجزأ ، بل يقولون : إنه / أعظم من العرش ، وكان ما كان كذلك كانت ذاته ممتدة من أحد جانبي العرش إلى الجانب الآخر فكان طويلا عريضا عميقا ، فكان جسما بمعنى كونه طويلا عريضا عميقا ، فثبت أن قولهم إنا أردنا بكونه جسما معنى غير هذا المعنى كذب محض وتزوير صرف . المقام الثاني : أن نقول : لفظ الجسم لفظ يوهم معنى باطلا ، وليس في القرآن والأحاديث ما يدل على وروده فوجب الامتناع منه ، لا سيما والمتكلمون قالوا : لفظ الجسم يفيد كثرة الأجزاء بحسب الطول والعرض والعمق ، فوجب أن يكون لفظ الجسم يفيد أصل هذا المعنى . إطلاق « الإنية » : المسألة العاشرة : في إطلاق لفظ « الإنية » على اللّه تعالى : اعلم أن هذه اللفظة تستعملها الفلاسفة كثيرا ، وشرحه بحسب أصل اللغة أن لفظة « إن » في لغة العرب تفيد التأكيد والقوة في الوجود ، ولما كان الحق سبحانه وتعالى واجب الوجود لذاته ، وكان واجب الوجود أكمل الموجودات في تأكد الوجود ، وفي قوة الوجود ، لا جرم أطلقت الفلاسفة بهذا التأويل لفظ الإنية عليه . إطلاق « الماهية » : المسألة الحادية عشرة : في إطلاق لفظ الماهية عليه : اعلم أن لفظ « الماهية » ليس لفظا مفردا بحسب أصل اللغة ، بل الرجل إذا أراد أن يسأل عن حقيقة من الحقائق فإنه يقول : ما تلك الحقيقة وما هي ؟ وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : أرنا الأشياء كما هي ، فلما كثر السؤال عن معرفة الحقائق بهذه اللفظة جعلوا مجموع قولنا ما هي كاللفظة المفردة ، ووضعوا هذه اللفظة بإزاء الحقيقة فقالوا ماهية الشيء أي حقيقته المخصوصة وذاته المخصوصة . إطلاق لفظ « الحق » : المسألة الثانية عشرة : في إطلاق لفظ « الحق » اعلم أن هذا اللفظ إن أطلق على ذات الشيء كان المراد كونه موجودا وجودا حقيقيا في نفسه والدليل عليه أن الحق مقابل للباطل والباطل هو المعدوم قال لبيد : -
ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل
فلما كان مقابل الحق هو المعدوم وجب أن يكون الحق هو الموجود ، وأما إن أطلق لفظ الحق على الاعتقاد كان المراد أن ذلك الاعتقاد صواب مطابق للشيء في نفسه ، وإنما سمي هذا الاعتقاد بالحق لأنه إذا كان صوابا مطابقا كان واجب التقرير والإبقاء ، وأما أن أطلق لفظ الحق على القول والخبر كان المراد أن ذلك
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 119 | فخر الدين الرازي