عن عامر بن جشب ، عن خالد بن معدان في قوله :
لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً
، وقوله :
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ *
إنهما في أهل التوحيد من أهل القبلة . فإن قال قائل : فما أنت قائل في هذا الحديث ؟ قيل : الذي قاله قتادة عن الربيع بن أنس في ذلك أصح . فإن قال : فما للكفار عند الله عذاب إلا أحقابا ؛ قيل : إن الربيع وقتادة قد قالا : إن هذه الأحقاب لا انقضاء لها ولا انقطاع . وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك :
لابثين فيها أحقابا ، في هذا النوع من العذاب ، هو أنهم :
لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً
فإذا انقضت تلك الأحقاب ، صار لهم من العذاب أنواع غير ذلك ، كما قال جل ثناؤه في كتابه :
وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ
. وهذا القول عندي أشبه بمعنى الآية . وقد روي عن مقاتل بن حيان في ذلك ما : حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقي ، قال : ثنا عمرو بن أبي سلمة ، قال : سألت أبا معاذ الخراساني ، عن قول الله :
لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً
فأخبرنا عن مقاتل بن حيان ، قال : منسوخة ، نسختها :
فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً
ولا معنى لهذا القول ، لأن قوله :
لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً
خبر ، والأخبار لا يكون فيها نسخ ، وإنما النسخ يكون في الأمر والنهي . وقوله :
لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً
يقول : لا يطعمون فيها بردا يبرد حر السعير عنهم ، إلا الغساق ، ولا شرابا يرويهم من شدة العطش الذي بهم ، إلا الحميم . وقد زعم بعض أهل العلم بكلام العرب أن البرد في هذا الموضع النوم ، وأن معنى الكلام : لا يذوقون فيها نوما ولا شرابا ، واستشهد لقيله ذلك بقول الكندي :
بردت مراشفها علي فصدني * عنها وعن قبلاتها البرد
يعني بالبرد : النعاس ؛ والنوم إن كان يبرد غليل العطش ، فقيل له من أجل ذلك البرد ، فليس هو باسمه المعروف ، وتأويل كتاب الله على الأغلب من معروف كلام العرب ، دون غيره . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن أبي جعفر ، عن الربيع
لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً
فاستثنى من الشراب الحميم ، ومن البرد :
الغساق . وقوله :
إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً
يقول تعالى ذكره : لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما قد أغلي حتى انتهى حره ، فهو كالمهل يشوي الوجوه ، ولا برد إلا غساقا . واختلف أهل التأويل في معنى الغساق ، فقال بعضهم : هو ما سال من صديد أهل جهنم . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ومحمد بن المثنى ، قالا : ثنا ابن إدريس ، عن أبيه إدريس ، عن عطية بن سعد ، في قوله :
حَمِيماً وَغَسَّاقاً
قال : هو الذي يسيل من جلودهم . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر ، عن أبيه ، قال : ثنا أبو عمرو ، قال : زعم عكرمة أنه حدثهم في قوله :
وَغَسَّاقاً
قال : ما يخرج من أبصارهم من القيح والدم . حدثنا ابن بشار وابن المثنى ، قالا : ثنا عبد الرحمن قال : ثنا سفيان ، عن منصور عن إبراهيم وأبي رزين
إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً
قالا : غسالة أهل النار ؛ لفظ ابن بشار ؛ وأما ابن المثنى فقال في حديثه : ما يسيل من صديدهم .
وحدثنا ابن بشار مرة أخرى عن عبد الرحمن ، فقال كما قال ابن المثنى . حدثنا ابن حميد ، قال :
ثنا مهران ، عن سفيان ، عن منصور ، عن أبي رزين
وَغَسَّاقاً
قال : ما يسيل من صديدهم . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن منصور وأبي رزين ، عن إبراهيم مثله . حدثنا بشر ،