التأويل : إنا هديناه السبيل ، إما شقيا وإما سعيدا . وكان بعض نحويي البصرة يقول ذلك كما قال : " إما العذاب وإما الساعة " كأنك لم تذكر إما ؛ قال : وإن شئت ابتدأت ما بعدها فرفعته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ
قال : الشقوة والسعادة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد عن قتادة قوله :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً
للنعم
وَإِمَّا كَفُوراً
لها . حدثني يونس ، قال :
أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله :
مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ
إلى
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ
قال :
ننظر أي شيء يصنع ، أي الطريقين يسلك ، وأي الأمرين يأخذ ، قال : وهذا الاختبار وقوله :
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ
يقول تعالى ذكره : إنا اعتدنا لمن كفر نعمتنا وخالف أمرنا سلاسل يستوثق بها منهم شدا في الجحيم .
وَأَغْلالًا
يقول : وتشد بالأغلال فيها أيديهم إلى أعناقهم . وقوله
وَسَعِيراً
يقول : ونارا تسعر عليهم فتتوقد . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ
يقول تعالى ذكره : إن الذين بروا بطاعتهم ربهم في أداء فرائضه ، واجتناب معاصيه ، يشربون من كأس ، وهو كل إناء كان فيه شراب .
كانَ مِزاجُها
يقول : كان مزاج ما فيها من الشراب .
كافُوراً
يعني : في طيب رائحتها كالكافور . وقد قيل : إن الكافور اسم لعين ماء في الجنة ؛ فمن قال ذلك ، جعل نصب العين على الرد على الكافور ، تبيانا عنه ، ومن جعل الكافور صفة للشراب نصبها ، أعني العين عن الحال ، وجعل خبر كان قوله
كافُوراً
، وقد يجوز نصب العين من وجه ثالث ، وهو نصبها بإعمال يشربون فيها فيكون معنى الكلام : إن الأبرار يشربون عينا يشرب بها عباد الله ، من كأس كان مزاجها كافورا . وقد يجوز أيضا نصبها على المدح ، فأما عامة أهل التأويل فإنهم قالوا : الكافور صفة للشراب على ما ذكرت .
ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله :
مِزاجُها كافُوراً
قال : تمزج . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد عن قتادة قوله :
إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً
قال : قوم تمزج لهم بالكافور ، وتختم لهم بالمسك . وقوله :
عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ
يقول تعالى ذكره : كان مزاج الكأس التي يشرب بها هؤلاء الأبرار كالكافور في طيب رائحته من عين يشرب بها عباد الله الذين يدخلهم الجنة . والعين على هذا التأويل نصب على الحال من الهاء التي في " مزاجها " . ويعني بقوله
يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ
يروى بها وينتقع . وقيل : يشرب بها ويشربها بمعنى واحد . وذكر الفراء أن بعضهم أنشده :
شربن بماء البحر ثم ترفعت * متى لجج خضر لهن نئيج
وعنى بقوله : " متى لجج " من ، ومثله : إنه ليتكلم بكلام حسن ، ويتكلم كلاما حسنا . وقوله :
يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً
يقول تعالى ذكره يفجرون تلك العين التي يشربون بها كيف شاءوا وحيث شاءوا من منازلهم وقصورهم تفجيرا ، ويعني بالتفجير : الإسالة والإجراء . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله :
يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً
قال : يعدلونها حيث شاءوا . حدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ،