عن قتادة قوله :
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ
أطوار الخلق ، طورا نطفة ، وطورا علقة ، وطورا مضغة ، وطورا عظاما ، ثم كسى الله العظام لحما ، ثم أنشأه خلقا آخر ، أنبت له الشعر حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر عن قتادة في قوله
أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ
قال : الأمشاج : اختلط الماء والدم ، ثم علقة ، ثم كان مضغة وقال آخرون : عني بذلك اختلاف ألوان النطفة ذكر من قال ذلك : حدثني علي قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي عن ابن عباس في قوله
أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ
يقول : مختلفة الألوان . حدثنا أبو هشام ، قال : ثنا يحيى بن يمان ، قال :
ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : ألوان النطفة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : أي الماءين سبق أشبه عليه أعمامه وأخواله . قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد
أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ
قال : ألوان النطفة ؛ نطفة الرجل بيضاء وحمراء ، ونطفة المرأة حمراء وخضراء . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله . وقال آخرون : بل هي العروق التي تكون في النطفة . ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب وأبو هشام ، قالا : ثنا وكيع ، قال : ثنا المسعودي ، عن عبد الله بن المخارق عن أبيه أب جد سعد عن عبد الله قال : أمشاجها : عروقها . حدثنا أبو هشام ، قال : ثنا يحيى بن يمان ، قال : ثنا أسامة بن زيد عن أبيه زيد قال : هي العروق التي تكون في النطفة . وأشبه هذه الأقوال بالصواب قول من قال : معنى ذلك
مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ
نطفة الرجل ونطفة المرأة ، لأن الله وصف النطفة بأنها أمشاج ، وهي إذا انتقلت فصارت علقة ، فقد استحالت عن معنى النطفة فكيف تكون نطفة أمشاجا وهي علقة ؟ وأما الذين قالوا : إن نطفة الرجل بيضاء وحمراء ، فإن المعروف من نطفة الرجل أنها سحراء على لون واحد ، وهي بيضاء تضرب إلى الحمرة ، وإذا كانت لونا واحدا لم تكن ألوانا مختلفة ، وأحسب أن الذين قالوا : هي العروق التي في النطفة قصدوا هذا المعنى . وقد : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال : إنما خلق الإنسان من الشيء القليل من النطفة ، ألا ترى أن الولد إذا أسكت ترى له مثل الرير ؟ آدم من مثل ذلك من النطفة أمشاج نبتليه . وقوله :
نَبْتَلِيهِ
نختبره . وكان بعض أهل العربية يقول : المعنى :
جعلناه سميعا بصيرا لنبتليه ، فهي مقدمة معناها التأخير ، إنما المعنى خلقناه وجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه ، ولا وجه عندي لما قال يصح ، وذلك أن الابتلاء إنما هو بصحة الآلات وسلامة العقل من الآفات ، وإن عدم السمع والبصر . وأما إخباره إيانا أنه جعل لنا أسماعا وأبصارا في هذه الآية ، فتذكير منه لنا بنعمه ، وتنبيه على موضع الشكر ؛ فأما الابتلاء فبالخلق مع صحة الفطرة ، وسلامة العقل من الآفة ، كما قال :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
. وقوله :
فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً
يقول تعالى ذكره : فجعلناه ذا سمع يسمع به ، وذا بصر يبصر به ، إنعاما من الله على عباده بذلك ، ورأفة منه لهم ، وحجة له عليهم . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً إِنَّا أَعْتَدْنا
يعني جل ثناؤه بقوله :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ
إنا بينا له طريق الجنة ، وعرفناه سبيله ، إن شكر ، أو كفر . وإذا وجه الكلام إلى هذا المعنى ، كانت إما وإما في معنى الجزاء . وقد يجوز أن تكون إما وإما بمعنى واحد ، كما قال :
إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ
فيكون قوله :
إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
حالا من الهاء التي في هديناه ؛ فيكون معنى الكلام إذا وجه ذلك إلى هذا