هذه السورة أخد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد فقال : " هذا الذي أوفى الله بأذنه " ، وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي الذي كان من أبيه . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة أن عبد الله بن عبد الله بن أبي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه ، فإن كنت فاعلا ، فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه ، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبر بوالده مني ، وإني أخشى أن تأمر به غيره فيقتله ، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله ، فأقتل مؤمنا بكافر ، فأدخل النار ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا " ، وجعل بعد ذلك اليوم إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ، ويأخذونه ويعنفونه ويتوعدونه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك عنهم من شأنهم " كيف ترى يا عمر ؛ أما والله لو قتلته يوم أمرتني بقتله لأرعدت له آنف ، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته " ؛ قال : فقال عمر : قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري . القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ . . .
هُمُ الْخاسِرُونَ
يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله
لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ
يقول : لا توجب لكم أموالكم
وَلا أَوْلادُكُمْ
اللهو
عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
وهو من ألهيته عن كذا وكذا ، فلها هو يلهو لهوا ؛ ومنه قول امرئ القيس :
ومثلك حبلى قد طرقت ومرضع * فألهيتها عن ذي تمائم محول
وقيل : عني بذكر الله جل ثناؤه في هذا الموضع : الصلوات الخمس . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن أبي سنان ، عن ثابت ، عن الضحاك
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
قال : الصلوات الخمس . وقوله :
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ
يقول : ومن يلهه ماله وأولاده عن ذكر الله
فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
يقول : هم المغبونون حظوظهم من كرامة الله ورحمته تبارك وتعالى . القول في تأويل قوله تعالى :
وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ . . .
وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا
. . . وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
يقول تعالى ذكره : وأنفقوا أيها المؤمنون بالله ورسوله من الأموال التي رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول إذا نزل به الموت : يا رب هلا أخرتني فتمهل لي في الأجل إلى أجل قريب . فأصدق يقول : فأزكي مالي
وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
يقول :
وأعمل بطاعتك ، وأؤدي فرائضك . وقيل : عنى بقوله
وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
وأحج بيتك الحرام .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس وسعيد بن الربيع ، قال سعيد ، ثنا سفيان ، وقال يونس : أخبرنا سفيان ، عن أبي جناب عن الضحاك بن مزاحم ، عن ابن عباس ، قال : ما من أحد يموت ولم يؤد زكاة ماله ولم يحج إلا سأل الكرة ، فقالوا : يا أبا عباس لا تزال تأتينا بالشيء لا نعرفه ؛ قال : فأنا أقرأ عليكم في كتاب الله :
وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ
قال : أؤدي زكاة مالي
وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
قال : أحج . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن أبي سنان ، عن رجل ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : ما يمنع أحدكم إذا كان له مال يجب عليه فيه الزكاة أن يزكي ، وإذا أطاق الحج أن يحج من قبل أن يأتيه الموت ، فيسأل ربه الكرة فلا يعطاها ، فقال رجل : أما تتقي الله ، يسأل المؤمن الكرة ؟ قال : نعم ، أقرأ عليكم قرآنا ، فقرأ :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ