تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ
يقول : فمنكم كافر بخالقه وأنه خلقه ؛
مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ
يقول : ومنكم مصدق به موقن أنه خالقه أو بارئه .
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
يقول : والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم عالم بها ، لا يخفى عليه منها شيء ، وهو مجازيكم بها ، فاتقوه أن تخالفوه في أمره أو نهيه ، فيسطو بكم . حدثنا محمد بن منصور الطوسي ، قال : ثنا حسن بن موسى الأشيب ، قال : ثنا ابن لهيعة ، قال : ثنا بكر بن سوادة ، عن أبي تميم الجيشاني ، عن أبي ذر : " إن المني إذ مكث في الرحم أربعين ليلة ، أتى ملك النفوس ، فعرج به إلى الجبار في راحته ، فقال : أي رب عبدك هذا ذكر أم أنثى ؟ فيقضي الله إليه ما هو قاض ، ثم يقول : أي رب أشقي أم سعيد ؟ فيكتب ما هو لاق " . قال : وقرأ أبو ذر فاتحة التغابن خمس آيات . القول في تأويل قوله تعالى :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
يقول تعالى ذكره : خلق السماوات السبع والأرض بالعدل والإنصاف ، وصوركم : يقول : ومثلكم فأحسن مثلكم ، وقيل : أنه عني بذلك تصوير آدم ، وخلقه إياه بيده . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ
يعني آدم خلقه بيده . وقوله :
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
يقول : وإلى الله مرجع جميعكم أيها الناس . القول في تأويل قوله تعالى :
يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
يقول تعالى ذكره : يعلم ربكم أيها الناس ما في السماوات السبع والأرض من شيء ، لا يخفى عليه من ذلك خافية
وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ
أيها الناس بينكم من قول وعمل
وَما تُعْلِنُونَ
من ذلك فتظهرونه .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
يقول جل ثناؤه : والله ذو علم بضمائر صدور عباده ، وما تنطوي عليه نفوسهم ، الذي هو أخفى من السر ، لا يعزب عنه شيء من ذلك . يقول تعالى ذكره لعباده : احذروا أن تسروا غير الذي تعلنون ، أو تضمروا في أنفسكم غير ما تبدونه ، فإن ربكم لا يخفى عليه من ذلك شيء ، وهو محص جميعه ، وحافظ عليكم كله . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا . . .
أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا
. . . وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
يقول تعالى ذكره لمشركي قريش : ألم يأتكم أيها الناس خبر الذين كفروا من قبلكم ، وذلك كقوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط
فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ
فمسهم عذاب الله إياهم على كفرهم
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
يقول : ولهم عذاب مؤلم موجع يوم القيامة في نار جهنم ، مع الذي أذاقهم الله في الدنيا وبال كفرهم وقوله :
ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
يقول : جل ثناؤه : هذا الذي نال الذين كفروا من قبل هؤلاء المشركين من وبال كفرهم ، والذي أعد لهم ربهم يوم القيامة من العذاب ، من أجل أنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات الذي أرسلهم إليهم ربهم بالواضحات من الأدلة والإعلام على حقيقة ما يدعونهم إليه ، فقالوا لهم : أبشر يهدوننا استكبارا منهم أن تكون رسل الله إليهم بشرا مثلهم واستكبارا عن اتباع الحق من أجل أن بشرا مثلهم دعاهم إليه ؛ وجمع الخبر عن البشر ، فقيل : يهدوننا ، ولم يقل : يهدينا ، لأن البشر ، وإن كان في لفظ الواحد ، فإنه بمعنى الجميع . وقوله :
فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا
يقول : فكفروا بالله ، وجحدوا رسالة رسله الذين بعثهم الله إليهم استكبارا
وَتَوَلَّوْا
يقول : وأدبروا عن الحق فلم يقبلوه ، وأعرضوا عما دعاهم إليه رسلهم .
وَاسْتَغْنَى اللَّهُ
يقول : واستغنى الله عنهم ، وعن إيمانهم به وبرسله ، ولم تكن به إلى ذلك منهم حاجة
وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
يقول : والله غني عن جميع خلقه ، محمود عند جميعهم بجميل أياديه عندهم ، وكريم فعاله فيهم . القول في تأويل قوله تعالى :
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 78 | محمد بن جرير الطبري