[ تفسير سورة ق ]
القول في تأويل قوله تعالى
ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ . . .
الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
اختلف أهل التأويل في قوله :
ق
، فقال بعضهم : هو اسم من أسماء الله تعالى أقسم به . ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن داود ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس في قوله :
ق
و
ن
وأشباه هذا ، فإنه قسم أقسمه الله ، وهو اسم من أسماء الله .
وقال آخرون : هو اسم من أسماء القرآن . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله
ق
قال : اسم من أسماء القرآن . وقال آخرون :
ق
اسم الجبل المحيط بالأرض ، وقد تقدم بياننا في تأويل حروف المعجم التي في أوائل سور القرآن بما فيه الكفاية عن إعادته في هذا الموضع . وقوله :
وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ
يقول : والقرآن الكريم . كما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يحيى بن يمان ، عن أشعث بن إسحاق ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير
ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ
قال : الكريم . واختلف أهل العربية في موضع جواب هذا القسم ، فقال بعض نحويي البصرة
ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ
قسم على قوله :
قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ
وقال بعض نحويي أهل الكوفة : فيها المعنى الذي أقسم به ، وقال : ذكر أنها قضى والله ، وقال : يقال : إن قاف جبل محيط بالأرض ، فإن يكن كذلك فكأنه في موضع رفع : أي هو قاف والله ؛ قال : وكان ينبغي لرفعه أن يظهر لأنه اسم وليس بهجاء ؛ قال : ولعل القاف وحدها ذكرت من اسمه ، كما قال الشاعر :
قلت لها قفي قالت قاف
ذكرت القاف إرادة القاف من الوقف : أي إني واقفة .
وهذا القول الثاني عندنا أولى القولين بالصواب ، لأنه لا يعرف في أجوبة الأيمان قد ، وإنما تجاب الأيمان إذا أجيبت بأحد الحروف الأربعة : اللام ، وإن ، وما ، ولا ، أو بترك جوابها فيكون ساقطا .
وقوله :
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ما كذبك يا محمد مشركو قومك أن لا يكونوا عالمين بأنك صادق محق ، ولكنهم كذبوك تعجبا من أن جاءهم منذر ينذرهم عقاب الله منهم ، يعني بشرا منهم من بني آدم ، ولم يأتهم ملك برسالة من عند الله . وقوله :
فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
يقول تعالى ذكره : فقال المكذبون بالله ورسوله من قريش إذ جاءهم منذر منهم
هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
: أي مجيء رحل منا من بني آدم برسالة الله إلينا ،
لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً
القول في تأويل قوله تعالى :
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً . . .
قَدْ عَلِمْنا
. . . حَفِيظٌ
يقول القائل : لم يجر للبعث ذكر ، فيخبر عن هؤلاء القوم بكفرهم ما دعوا إليه من ذلك ، فما وجه الخبر عنهم بإنكارهم ما لم يدعوا إليه ، وجوابهم عما لم يسألوا عنه . قيل : قد اختلف أهل العربية في ذلك ، فنذكر ما قالوا في ذلك ، ثم نتبعه البيان إن شاء الله تعالى ، فقال في ذلك بعض نحويي البصرة قال :
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
، لم يذكر أنه راجع ، وذلك والله أعلم لأنه كان على جواب ، كأنه قيل لهم : إنكم ترجعون ، فقالوا :
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
وقال بعض نحويي الكوفة قوله :
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً
كلام لم يظهر قبله ، ما يكون هذا جوابا له ، ولكن معناه مضمر ، إنما كان والله أعلم :
ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ
لتبعثن بعد الموت ، فقالوا : أإذا كنا ترابا بعثنا ؟ جحدوا البعث ، ثم قالوا :
ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
جحدوه أصلا ، قوله :
بَعِيدٌ
كما تقول للرجل يخطئ في المسألة ، لقد ذهبت مذهبا بعيدا من الصواب : أي أخطأت . والصواب من القول في ذلك عندنا ، أن في هذا الكلام