ما كان ، وما هو كائن ، وبما يكون ذو علم . وإنما هذا تقدم من الله إلى هؤلاء الأعراب بالنهي ، عن أن يكذبوا ويقولوا غير الذي هم عليه في دينهم . يقول : الله محيط بكل شيء عالم به ، فاحذروا أن تقولوا خلاف ما يعلم من ضمائر صدوركم ، فينالكم عقوبته ، فإنه لا يخفى عليه شيء . القول في تأويل قوله تعالى :
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ . . .
كُنْتُمْ صادِقِينَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يمن عليك هؤلاء الأعراب يا محمد
أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ
يقول : بل الله يمن عليكم أيها القوم أن وفقكم للإيمان به وبرسوله .
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
يقول : إن كنتم صادقين في قولكم آمنا ، فإن الله هو الذي من عليكم بأن هداكم له ، فلا تمنوا علي بإسلامكم . وذكر أن هؤلاء الأعراب من بني أسد ، امتنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : آمنا من غير قتال ، ولم نقاتلك كما قاتلك غيرنا ، فأنزل الله فيهم هذه الآيات : ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير في هذه الآية
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا
أهم بنو أسد ؟ قال : قد قيل ذلك .
حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا سهل بن يوسف ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي بشر ، قال : قلت لسعيد بن جبير
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا
أهم بنو أسد ؟ قال : يزعمون ذاك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن حبيب بن أبي عمرة ، قال : كان بشر بن غالب ولبيد بن عطارد ، أو بشر بن عطارد ، ولبيد بن غالب عند الحجاج جالسين ، فقال بشر بن غالب للبيد بن عطارد : نزلت في قومك بني تميم
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ
فذكرت ذلك لسعيد بن جبير ، فقال : إنه لو علم بآخر الآية أجابه
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا
قالوا أسلمنا ولم تقاتلك بنو أسد . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة
لا تَمُنُّوا
أنا أسلمنا بغير قتال لم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان ، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم :
قُلْ
لهم
لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ
. حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ
قال : فهذه الآيات نزلت في الأعراب . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . .
تَعْمَلُونَ
يقول تعالى ذكره : إن الله أيها الأعراب لا يخفى عليه الصادق منكم من الكاذب ، ومن الداخل منكم في ملة الإسلام رغبة فيه ، ومن الداخل فيه رهبة من رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وجنده ، فلا تعلمونا دينكم وضمائر صدوركم ، فإن الله يعلم ما تكنه ضمائر صدوركم ، وتحدثون به أنفسكم ، ويعلم ما غاب عنكم ، فاستسر في خبايا السماوات والأرض ، لا يخفى عليه شيء من ذلك
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
يقول : والله ذو بصر بأعمالكم التي تعملونها ، أجهرا تعملون أم سرا ، طاعة تعملون أو معصية ؟ وهو مجازيكم على جميع ذلك ، إن خيرا فخير ، وان شرا فشر وكفؤه . و
إِنَّ
في قوله :
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا
في موضع نصب بوقوع يمنون عليها ، وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله " يمنون عليك إسلامهم " ، وذلك دليل على صحة ما قلنا ، ولو قيل : هي نصب بمعنى : يمنون عليك لأن أسلموا ، لكان وجها يتجه . وقال بعض أهل العربية : هي في موضع خفض . بمعنى لأن أسلموا . وأما
أَنْ
التي في قوله :
بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ
فإنها في موضع نصب بسقوط الصلة لأن معنى الكلام : بل الله يمن عليكم بأن هداكم للإيمان .