قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا
قال : لم يصدقوا إيمانهم بأعمالهم ، فرد الله ذلك عليهم
قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
وأخبرهم أن المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، أولئك هم الصادقون ، صدقوا إيمانهم بأعمالهم ؛ فمن قال منهم : أنا مؤمن فقد صدق ؛ قال :
وأما من انتحل الإيمان بالكلام ولم يعمل فقد كذب ، وليس بصادق . حدثنا ابن حميد ، قال :
ثنا مهران ، عن سفيان ، عن مغيرة ، عن إبراهيم
وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
قال : هو الإسلام . وقال آخرون :
إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقيل ذلك لهم ، لأنهم أرادوا أن يتسموا بأسماء المهاجرين قبل أن يهاجروا ، فأعلمهم الله أن لهم أسماء الأعراب ، لا أسماء المهاجرين . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثنى أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا
الآية ، وذلك أنهم أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة ، ولا يتسموا بأسمائهم التي سماهم الله ، وكان ذلك في أول الهجرة قبل أن تنزل المواريث لهم . وقال آخرون : قيل لهم ذلك لأنهم منوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهم ، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل لهم لم تؤمنوا ، ولكن استسلمتم خوف السباء والقتل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا
ولعمري ما عمت هذه الآية الأعراب ، إن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ، ولكن إنما أنزلت في حي من أحياء الأعراب امتنوا بإسلامهم على نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : أسلمنا ، ولم نقاتلك ، كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان ، فقال الله : لا تقولوا آمنا ، ولكن قولوا أسلمنا حتى بلغ في قلوبكم . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة
لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
قال : لم تعم هذه الآية الأعراب ، إن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ، ويتخذ ما ينفق قربات عند الله ، ولكنها في طوائف من الأعراب . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن رباح ، عن أبي معروف ، عن سعيد بن جبير
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
قال : استسلمنا لخوف السباء والقتل . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد
قُولُوا أَسْلَمْنا
قال :
استسلمنا . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، وقرأ قول الله
قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
استسلمنا : دخلنا في السلم ، وتركنا المحاربة والقتال بقولهم : لا إله إلا الله ، وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وأمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوا لا إله إلا الله ، عصموا مني دماءكم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " . وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك القول الذي ذكرناه عن الزهري ، وهو أن الله تقدم إلى هؤلاء الأعراب الذين دخلوا في الملة إقرارا منهم بالقول ، ولم يحققوا قولهم بعملهم أن يقولوا بالإطلاق آمنا دون تقييد قولهم بذلك بأن يقولوا آمنا بالله ورسوله ، ولكن أمرهم أن يقولوا القول الذي لا يشكل على سامعيه والذي قائله فيه محق ، وهو أن يقولوا أسلمنا ، بمعنى : دخلنا في الملة والأموال ، والشهادة الحق . قوله :
وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
يقول تعالى ذكره : ولما يدخل العلم بشرائع الإيمان ، وحقائق معانيه في قلوبكم .
وقوله :
وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء الأعراب القائلين آمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم ، إن تطيعوا الله ورسوله أيها القوم ، فتأتمروا لأمره وأمر رسوله ، وتعملوا بما فرض عليكم ، وتنتهوا عما نهاكم عنه ،
لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً
يقول : لا يظلمكم من أجور أعمالكم شيئا ولا ينقصكم من ثوابها شيئا . وبنحو الذي قلنا