تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
تصريفها إن شاء جعلها رحمة ؛ وإن شاء جعلها عذابا . وقوله :
آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
يقول تعالى ذكره : في ذلك أدلة وحجج لله على خلقه ، لقوم يعقلون عن الله حججه ، ويفهمون عنه ما وعظهم به من الآيات والعبر . القول في تأويل قوله تعالى :
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ
يقول تعالى ذكره : هذه الآيات والحجج يا محمد من ربك على خلقه نتلوها عليك بالحق : يقول : نخبرك عنها بالحق لا بالباطل ، كما يخبر مشركو قومك عن آلهتهم بالباطل ، أنها تقربهم إلى الله زلفى ، فبأي حديث بعد الله وآياته تؤمنون : يقول تعالى ذكره للمشركين به : فبأي حديث أيها القوم بعد حديث الله هذا الذي يتلوه عليكم ، وبعد حججه عليكم وأدلته التي دلكم بها على وحدانيته من أنه لا رب لكم سواه ، تصدقون ، إن أنتم كذبتم لحديثه وآياته . وهذا التأويل على مذهب قراءة من قرأ " تؤمنون " على وجه الخطاب من الله بهذا الكلام للمشركين ، وذلك قراءة عامة قراء الكوفيين . وأما على قراءة من قرأه
يُؤْمِنُونَ
بالياء ، فإن معناه : فبأي حديث يا محمد بعد حديث الله الذي يتلوه عليك وآياته هذه التي نبه هؤلاء المشركين عليها ، وذكرهم بها ، يؤمن هؤلاء المشركون ، وهي قراءة عامة قراء أهل المدينة والبصرة ، ولكلتا القراءتين وجه صحيح ، وتأويل مفهوم ، فبأية القراءتين قرأ ذلك القارئ فمصيب عندنا ، وإن كنت أميل إلى قراءته بالياء إذ كانت في سياق آيات قد مضين قبلها على وجه الخبر ، وذلك قوله :
لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
و
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
. القول في تأويل قوله تعالى :
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ . . .
أَلِيمٍ
يقول تعالى ذكره : الوادي السائل من صديد أهل جهنم ، لكل كذاب ذي إثم بربه ، مفتر عليه .
يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ
يقول : يسمع آيات كتاب الله تقرأ عليه
ثُمَّ يُصِرُّ
على كفره وإثمه فيقيم عليه غير تائب منه ، ولا راجع عنه
مُسْتَكْبِراً
على ربه أن يذعن لأمره ونهيه .
كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها
يقول : كأن لم يسمع ما تلي عليه من آيات الله بإصراره على كفره .
فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
يقول : فبشر يا محمد هذا الأفاك الأثيم الذي هذه صفته بعذاب من الله له .
أَلِيمٍ
يعني موجع في نار جهنم يوم القيامة . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً
يقول تعالى ذكره :
وَإِذا عَلِمَ
هذا الأفاك الأثيم
مِنْ
آيات الله
شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً
يقول : اتخذ تلك الآيات التي علمها هزوا ، يسخر منها ، وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ
إذ دعا بتمر وزبد فقال : تزقموا من هذا ، ما يعدكم محمد إلا شهدا ، وما أشبه ذلك من أفعالهم . وقوله :
أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين يفعلون هذا الفعل ، وهم الذين يسمعون آيات الله تتلى عليهم ثم يصرون على كفرهم استكبارا ، ويتخذون آيات الله التي علموها هزوا ، لهم يوم القيامة من الله عذاب مهين يهينهم ويذلهم في نار جهنم ، بما كانوا في الدنيا يستكبرون عن طاعة الله واتباع آياته ، وإنما قال تعالى ذكره :
أُولئِكَ
فجمع وقد جرى الكلام قبل ذلك ردا للكلام إلى معنى الكل في قوله :
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
. القول في تأويل قوله تعالى :
مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ . . .
مَا اتَّخَذُوا
. . . عَظِيمٌ
يقول تعالى ذكره : ومن وراء هؤلاء المستهزئين بآيات الله ، يعني من بين أيديهم . وقد بينا العلة التي من أجلها قيل لما أمامك ، هو وراءك ، فيما مضى بما أغنى عن إعادته ؛