إلى أمره ونهيه ، ودعا عباد الله إلى ما قال وعمل به من ذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، قال :
تلا الحسن :
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
قال : هذا حبيب الله ، هذا ولي الله ، هذا صفوة الله ، هذا خيرة الله ، هذا أحب الخلق إلى الله ، أجاب الله في دعوته ، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته ، وعمل صالحا في إجابته ، وقال : إنني من المسلمين ، فهذا خليفة الله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ
الآية ، قال : هذا عبد صدق قوله عمله ، ومولجه مخرجه ، وسره علانيته ، وشاهده مغيبه ، وإن المنافق عبد خالف قوله عمله ، ومولجه مخرجه ، وسره علانيته ، وشاهده مغيبه . واختلف أهل العلم في الذي أريد بهذه الصفة من الناس ، فقال بعضهم : عني بها نبي الله صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ
قال : محمد صلى الله عليه وسلم حين دعا إلى الإسلام . حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
قال : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال آخرون : عني به المؤذن . ذكر من قال ذلك : حدثني داود بن سليمان بن يزيد المكتب البصري ، قال : ثنا عمرو بن جرير البجلي ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، في قول الله :
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ
قال : المؤذن
وَعَمِلَ صالِحاً
قال : الصلاة ما بين الأذان إلى الإقامة . وقوله :
وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
يقول : وقال : إنني ممن خضع لله بالطاعة ، وذل له بالعبودة ، وخشع له بالإيمان بوحدانيته . وقوله :
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ
يقول تعالى ذكره : ولا تستوي حسنة الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ، فأحسنوا في قولهم ، وإجابتهم وبهم إلى ما دعاهم إليه من طاعته ، ودعوا عباد الله إلى مثل الذي أجابوا ربهم إليه ، وسيئة الذين قالوا :
لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
فكذلك لا تستوي عند الله أحوالهم ومنازلهم ، ولكنها تختلف كما وصف جل ثناؤه أنه خالف بينهما ، وقال جل ثناؤه :
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ
فكرر لا ، والمعنى : لا تستوي الحسنة ولا السيئة ، لأن كل ما كان غير مساو شيئا ، فالشيء الذي هو له غير مساو غير مساويه ، كما أن كل ما كان مساويا لشيء فالآخر الذي هو له مساو ، مساو له ، فيقال : فلان مساو فلانا ، وفلان له مساو ، فكذلك فلان ليس مساويا لفلان ، ولا فلان مساويا له ، فلذلك كررت لا مع السيئة ، ولو لم تكن مكررة معها كان الكلام صحيحا . وقد كان بعض نحويي البصرة يقول : يجوز أن يقال : الثانية زائدة ؛ يريد : لا يستوي عبد الله وزيد ، فزيدت لا توكيدا ، كما قال
لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ
أي لأن يعلم ، وكما قال :
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
وقد كان بعضهم ينكر قوله هذا في :
لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ
، وفي قوله :
فَلا أُقْسِمُ
فيقول : لا الثانية في قوله :
لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ
أن لا يقدرون ردت إلى موضعها ، لأن النفي إنما لحق يقدرون لا العلم ، كما يقال : لا أظن زيدا لا يقوم ، بمعنى : أظن زيدا لا يقوم ؛ قال : وربما استوثقوا فجاءوا به أولا وآخرا ، وربما اكتفوا بالأول من الثاني . وحكي سماعا من العرب : ما كأني أعرفها : أي كأني لا أعرفها . قال : وأما " لا " في قوله
فَلا أُقْسِمُ
فإنما هو جواب ، والقسم بعدها مستأنف ، ولا يكون حرف الجحد مبتدأ صلة . وإنما عنى بقوله
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ
ولا يستوي الإيمان بالله والعمل بطاعته والشرك به والعمل بمعصيته . وقوله :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ادفع يا محمد بحلمك جهل من جهل عليك ، ويعفوك عمن أساء إليك إساءه المسئ ،