تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
قال : ارتفعت قبل أن تنبت . وقوله :
إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى
يقول تعالى ذكره : إن الذي أحيا هذه الأرض الدارسة فأخرج منها النبات ، وجعلها تهتز بالزرع من بعد يبسها ودثورها بالمطر الذي أنزل عليها لقادر أن يحيي أموات بني آدم من بعد مماتهم بالماء الذي ينزل من السماء لإحيائهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : كما يحيي الأرض بالمطر ، كذلك يحيي الموتى بالماء يوم القيامة بين النفختين . يعني بذلك تأويل قوله :
إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى
. وقوله :
إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
يقول تعالى ذكره : إن ربك يا محمد على إحياء خلقه بعد مماتهم وعلى كل ما يشاء ذو قدرة لا يعجزه شيء أراده ، ولا يتعذر عليه فعل شيء شاءه . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا
. . . بَصِيرٌ
يعني جل ثناؤه بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا
إن الذين يميلون عن الحق في حججنا وأدلتنا ، ويعدلون عنها تكذيبا بها وجحودا لها . وقد بينت فيما مضى معنى اللحد بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع . وسنذكر بعض اختلاف المختلفين في المراد به من معناه في هذا الموضع . اختلف أهل التأويل في المراد به من معنى الإلحاد في هذا الموضع ، فقال بعضهم : أريد به معارضة المشركين القرآن باللغط والصفير استهزاء به . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى : وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا
قال : المكاء وما ذكر معه . وقال بعضهم : أريد به الخبر عن كذبهم في آيات الله . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا
قال : يكذبون في آياتنا . وقال آخرون : أريد به يعاندون . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا
قال : يشاقون : يعاندون . وقال آخرون : أريد به الكفر والشرك . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال قال ابن زيد ، في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا
قال : هؤلاء أهل الشرك وقال : الإلحاد : الكفر والشرك . وقال آخرون : أريد به الخبر عن تبديلهم معاني كتاب الله . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثنى عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا
قال : هو أن يوضع الكلام على غير موضعه . وكل هذه الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك في قريبات المعاني ، وذلك أن اللحد والإلحاد : هو الميل ، وقد يكون ميلا عن آيات الله ، وعدولا عنها بالتكذيب بها ، ويكون بالاستهزاء مكاء وتصدية ، ويكون مفارقة لها وعنادا ، ويكون تحريفا لها وتغييرا لمعانيها . ولا قول أولى بالصحة في ذلك مما قلنا ، وأن يعم الخبر عنهم بأنهم ألحدوا في آيات الله ، كما عم ذلك ربنا تبارك وتعالى . وقوله :
لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا
يقول تعالى ذكره : نحن بهم عالمون لا يخفون علينا ، ونحن لهم بالمرصاد إذا وردوا علينا ، وذلك تهديد من الله جل ثناؤه لهم بقوله : سيعلمون عند ورودهم علينا ماذا يلقون من أليم عذابنا . ثم أخبر جل ثناؤه عما هو فاعل بهم عند ورودهم عليه ، فقال :
أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ
يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يلحدون في آياتنا اليوم في الدنيا يوم القيامة عذاب النار ، ثم قال الله : أفهذا الذي يلقى في النار خير ، أم الذي يأتي يوم القيامة آمنا من عذاب الله لإيمانه بالله جل جلاله ؟ هذا الكافر ، إنه إن آمن بآيات الله ، واتبع امر الله ونهيه ، أمنه يوم القيامة مما حذره منه من عقابه إن ورد
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 78 | محمد بن جرير الطبري