تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
وبصبرك عليهم مكروه ما تجد منهم ، ويلقاك من قبلهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في تأويله . ذكر من قال ذلك . حدثني على ، قال : ثنا أبو صالح ، قال ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
قال : أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب ، والحلم والعفو عند الإساءة ، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان ، وخضع لهم عدوهم ، كأنه ولي حميم . وقال آخرون : معنى ذلك : أدفع بالسلام على من أساء إليك أساءته . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو عامر ، قال : ثنا سفيان ، عن طلحة بن عمرو ، عن عطاء
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
قال : بالسلام . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قالة : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن عبد الكريم الجزري ، عن مجاهد
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
قال : السلام عليك إذا لقيته . وقوله :
فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
يقول تعالى ذكره : افعل هذا الذي أمرتك به يا محمد من دفع سيئة المسئ إليك بإحسانك الذي أمرتك به إليه ، فيصير المسئ إليك الذي بينك وبينه عداوة ، كأنه من ملاطفته إياك . وبره لك ، ولي لك من بني أعمامك ، قريب النسب بك ، والحميم : هو القريب ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
أي كأنه ولي قريب . القول في تأويل قوله تعالى
وَما يُلَقَّاها . . .
إِلَّا ذُو حَظٍّ . . .
الْعَلِيمُ
يقول تعالى ذكره : وما يعطى دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا لله على المكاره ، والأمور الشاقة ؛ وقال :
وَما يُلَقَّاها
ولم يقل : وما يلقاه ، لأن معنى الكلام : وما يلقى هذه الفعلة من دفع السيئة بالتي هي أحسن . وقوله :
وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
يقول : وما يلقى هذه إلا ذو نصيب وجد له سابق في المبرات عظيم ، كما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله :
وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
ذو جد . وقيل : إن ذلك الحظ الذي أخبر الله جل ثناؤه في هذه الآية أنه لهؤلاء القوم هو الجنة . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا
الآية والحظ العظيم : الجنة . ذكر لنا أن أبا بكر رضي الله عنه شتمه رجل ونبي الله صلى الله عليه وسلم شاهد ، فعفا عنه ساعة ، ثم إن أبا بكر جاش به الغضب ، فرد عليه ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه أبو بكر ، فقال يا رسول الله شتمني الرجل ، فعفوت وصفحت وأنت قاعد ، فلما أخذت أنتصر قمت يا نبي الله ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : " إنه كان يرد عنك ملك من الملائكة ، فلما قربت تنتصر ذهب الملك وجاء الشيطان ، فوالله ما كنت لأجالس الشيطان يا أبا بكر " . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
يقول : الذين أعد الله لهم الجنة . وقوله :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
الآية ، يقول تعالى ذكره : وإما يلقين الشيطان يا محمد في نفسك وسوسة من حديث النفس إرادة حملك على مجازاة المسئ بالإساءة ، ودعائك إلى مساءته ، فاستجر بالله واعتصم من خطواته ، إن الله هو السميع لاستعاذتك منه واستجارتك به من نزغاته ، ولغير ذلك من كلامك وكلام غيرك ، العليم بما ألقى في نفسك من نزغاته ، وحدثتك به نفسك ومما يذهب ذلك من قبلك ، وغير ذلك من أمورك وأمور خلقه ، كما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ
قال : وسوسة وحديث النفس
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ
. حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ
هذا الغضب . القول في تأويل قوله تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ