أن تغتال عقولهم ؛ يقول : لا تذهب هذه الخمر بعقول شاربيها ، كما تذهب بها خمور أهل الدنيا إذا شربوها فأكثروا منها ، كما قال الشاعر :
وما زالت الكأس تغتالنا * وتذهب بالأول الأول
والعرب تقول : ليس فيها غيلة وغائلة وغول بمعنى واحد ؛ ورفع غول ولم ينصب بلا لدخول حرف الصفة بينها وبين الغول ، وكذلك تفعل العرب في التبرئة إذا حالت بين لا والاسم بحرف من حروف الصفات رفعوا الاسم ولم ينصبوه ، وقد يحتمل قوله :
لا فِيها غَوْلٌ
أن يكون معنيا به : ليس فيها ما يؤذيهم من مكروه ، وذلك أن العرب تقول للرجل يصاب بأمر مكروه ، أو ينال بداهية عظيمة : غال فلانا غول وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه : ليس فيها صداع . ذكر من قال ذلك :
حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
لا فِيها غَوْلٌ
يقول :
ليس فيها صداع . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ليس فيها أذي فتشكي منه بطونهم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس
لا فِيها غَوْلٌ
قال : هي الخمر ليس فيها وجع بطن . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله :
لا فِيها غَوْلٌ
قال : وجع بطن . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
لا فِيها غَوْلٌ
قال : الغول ما يوجع البطون ، وشارب الخمر هاهنا يشتكي بطنه . حدثني بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال :
ثنا سعيد ، عن قتادة
لا فِيها غَوْلٌ
يقول : ليس فيها وجع بطن ، ولا صداع رأس . وقال آخرون :
معنى ذلك : أنها لا تغول عقولهم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد ، قال :
ثنا أسباط ، عن السدي
لا فِيها غَوْلٌ
قال : لا تغتال عقولهم . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ليس فيها أذي ولا مكروه . ذكر من قال ذلك : حدثت عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن إسرائيل ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير ، في قوله :
لا فِيها غَوْلٌ
قال : أذي ولا مكروه . حدثنا محمد بن سنان القزاز ، قال : ثنا عبد الله بن بزيعة ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير ، في قوله :
لا فِيها غَوْلٌ
قال : ليس فيها أذي ولا مكروه . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ليس فيها إثم . ولكل هذه الأقوال التي ذكرناها وجه ، وذلك أن الغول في كلام العرب : هو ما غال الإنسان فذهب به ، فكل من ناله أمر يكرهه ضربوا له بذلك المثل ، فقالوا : غالت فلانا غول ، فالذاهب العقل من شرب الشراب ، والمشتكي البطن منه ، والمصدع الرأس من ذلك ، والذي ناله منه مكروه كلهم قد غالته غول . فإذا كان ذلك كذلك ، وكان الله تعالى ذكره قد نفى عن شراب الجنة أن يكون فيه غول ، فالذي هو أولى بصفته أن يقال فيه كما قال جل ثناؤه
لا فِيها غَوْلٌ
فيعم بنفي كل معاني اللغو عنه ، وأعم ذلك أن يقال :
لا أذي فيها ولا مكروه على شاربيها في جسم ولا عقل ، ولا غير ذلك . واختلفت القراء في قراءة قوله
وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ
فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة
يُنْزَفُونَ
بفتح الزاي ، بمعنى :
ولا هم عن شربها تنزف عقولهم . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : " ولا هم عنها ينزفون " بكسر الزاي ، بمعنى :
ولا هم عن شربها ينفد شرابهم . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى غير مختلفتيه ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ؛ وذلك أن أهل الجنة لا ينفد شرابهم ، ولا يسكرهم