يقول : ففي إخباري لكم عن ذلك دليل واضح على أن هذا القرآن وحي من الله وتنزيل من عنده ، لأنكم تعلمون أن علم ذلك لم يكن عندي قبل نزول هذا القرآن ، ولا هو مما شاهدته فعاينته ، ولكني علمت ذلك بإخبار الله إياي به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ
قال : الملأ الأعلى : الملائكة حين شووروا في خلق آدم ، فاختصموا فيه ، وقالوا : لا تجعل في الأرض خليفة . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ
هو :
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى
قال : هم الملائكة ، كانت خصومتهم في شأن آدم حين قال ربك للملائكة :
إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ
حتى بلغ
ساجِدِينَ
وحين قال :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
حتى بلغ
وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
ففي هذا اختصم الملأ الأعلى .
وقوله :
إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لمشركي قريش : ما يوحي الله إلي علم ما لا علم لي به ، من نحو العلم بالملأ الأعلى واختصامهم في أمر آدم إذا أراد خلقه ، إلا لأني إنما أنا نذير مبين ؛ " فإنما " على هذا التأويل في موضع خفض على قول من كان يرى أن مثل هذا الحرف الذي ذكرنا لا بد له من حرف خافض ، فسواء إسقاط خافضه منه وإثباته .
وإما على قول من رأى أن مثل هذا ينصب إذا أسقط منه الخافض ، فإنه على مذهبه نصب ، وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقد يتجه لهذا الكلام وجه آخر ، وهو أن يكون معناه : ما يوحي الله إلى إنذاركم . وإذا وجه الكلام إلى هذا المعنى ، كانت " أنما " في موضع رفع ، لأن الكلام يصير حينئذ بمعنى : ما يوحى إلي إلا الإنذار . قوله :
إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ
يقول : إلا أني نذير لكم مبين لكم إلا إنذاركم . وقيل : إلا أنما أنا ، ولم يقل : إلا أنما أنك ، والخبر من محمد عن الله ، لأن الوحي قول ، فصار في معنى الحكاية ، كما يقال في الكلام : أخبروني أني مسيء ، وأخبروني أنك مسيء بمعنى واحد ، كما قال الشاعر :
رجلان من ضبة أخبرانا * أنا رأينا رجلا عريانا
بمعنى : أخبرانا أنهما رأيا ، وجاز ذلك لأن الخبر أصله حكاية . القول في تأويل قوله تعالى :
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ . . .
ساجِدِينَ
وقوله :
إِذْ قالَ رَبُّكَ
من صلة قوله :
إِذْ يَخْتَصِمُونَ
وتأويل الكلام : ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون حين قال ربك يا محمد
لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ
يعني بذلك خلق آدم . وقوله :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
يقول تعالى ذكره : فإذا سويت خلقه ، وعدلت صورته ، ونفخت فيه من روحي ، قيل : عني بذلك :
ونفخت فيه من قدرتي . ذكر من قال ذلك : حدثت عن المسيب بن شريك ، عن أبي روق ، عن الضحاك
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
قال : من قدرتي .
فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
يقول : فاسجدوا له وخروا له سجدا .
وقوله :
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
يقول تعالى ذكره : فلما سوى الله خلق ذلك البشر ، وهو آدم ، ونفخ فيه من روحه ، سجد له الملائكة كلهم أجمعون ، يعني بذلك : الملائكة الذين هم في السماوات