تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
قال : فقدوا أهل الجنة
أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا
في الدنيا
أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ
وهم معنا في النار . وقوله :
إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ
يقول تعالى ذكره : إن هذا الذي أخبرتكم أيها الناس من الخبر عن تراجع أهل النار ، ولعن بعضهم بعضا ، ودعاء بعضهم على بعض في النار لحق يقين ، فلا تشكوا في ذلك ، ولكن استيقنوه تخاصم أهل النار . وقوله :
تَخاصُمُ
رد على قوله :
لَحَقٌّ
ومعنى الكلام : إن تخاصم أهل النار الذي أخبرتكم به لحق . وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يوجه معنى قوله :
أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ
إلى : بل زاغت عنهم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ
فقرأ :
تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ
وقرأ :
يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً
حتى بلغ :
إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ
قال : إن كنتم تعبدوننا كما تقولون إن كنا عن عبادتكم لغافلين ، ما كنا نسمع ولا نبصر ، قال : وهذه الأصنام ، قال : هذه خصومة أهل النار ، وقرأ :
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
قال : وضل عنهم يوم القيامة ما كانوا يفترون في الدنيا . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ . . .
وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :
قُلْ
يا محمد لمشركي قومك .
إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ
لكم يا معشر قريش بين يدي عذاب شديد ، أنذركم عذاب الله وسخطه أن يحل بكم على كفركم به ، فأحذروه وبادروا حلوله بكم بالتوبة
وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
يقول : وما من معبود تصلح له العبادة ، وتنبغي له الربوبية ، إلا الله الذي يدين له كل شيء ، ويعبده كل خلق ، الواحد الذي لا ينبغي أن يكون له في ملكه شريك ، ولا ينبغي أن تكون له صاحبة ، القهار لكل ما دونه بقدرته ،
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، يقول : مالك السماوات والأرض وما بينهما من الخلق ؛ يقول : فهذا الذي هذه صفته ، هو الإله الذي لا إله سواه ، لا الذي لا يملك شيئا ، ولا يضر ، ولا ينفع . وقوله :
الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ
يقول : العزيز في نقمته من أهل الكفر به ، المدعين معه إلها غيره ، الغفار لذنوب من تاب منهم ومن غيرهم من كفره ومعاصيه ، فأناب إلى الإيمان به ، والطاعة له بالانتهاء إلى أمره ونهيه . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ . . .
يُوحى إِلَيَّ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :
قُلْ
يا محمد لقومك المكذبيك فيما جئتهم به من عند الله من هذا القرآن ، القائلين لك فيه : إن هذا إلا اختلاق
هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ
يقول : هذا القرآن خبر عظيم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني عبد الأعلى بن واصل الأسدي ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن شبل بن عباد ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
قال : القرآن . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا هشام ، عن ابن سيرين ، عن شريح ، أن رجلا قال له : أتقضي علي بالنبإ ؟ قال : فقال له شريح : أوليس القرآن نبأ ؟ قال : وتلا هذه الآية :
قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ
قال : وقضى عليه . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله :
قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
قال : القرآن . وقوله :
أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
يقول : أنتم عنه منصرفون لا تعملون به ، ولا تصدقون بما فيه من حجج الله وآياته . وقوله :
ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى
يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لمشركي قومك :
ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ
في شأن آدم من قبل أن يوحي إلي ربي فيعلمني ذلك ،
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 117 | محمد بن جرير الطبري