من الأجنحة على الآخر ما يشاء ، ونقصانه عن الآخر ما أحب ، وكذلك ذلك في جميع خلقه يزيد ما يشاء في خلق ما شاء منه ، وينقص ما شاء من خلق ما شاء ، له الخلق والأمر ، وله القدرة والسلطان
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
يقول : إن الله تعالى ذكره قدير على زيادة ما شاء من ذلك فيما شاء ، ونقصان ما شاء منه ممن شاء ، وغير ذلك من الأشياء كلها ، لا يمتنع عليه فعل شيء أراده سبحانه وتعالى . القول في تأويل قوله تعالى :
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها . . .
مِنْ بَعْدِهِ
يقول تعالى ذكره : مفاتيح الخير ومغالقه كلها بيده ؛ فما يفتح الله للناس من خير فلا مغلق له ، ولا ممسك عنهم ، لأن ذلك أمره لا يستطيع أمره أحد ، وكذلك ما يغلق من خير عنهم فلا يبسطه عليهم ، ولا يفتحه لهم ، فلا فاتح له سواه ، لأن الأمور كلها إليه وله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ
أي من خير
فَلا مُمْسِكَ لَها
فلا يستطيع أحد حبسها
وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ
وقال تعالى ذكره :
فَلا مُمْسِكَ لَها
فأنث ما لذكر الرحمة من بعده ، وقال :
وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ
فذكر للفظ " ما " لأن لفظه لفظ مذكر ، ولو أنث في موضع التذكير للمعنى ، وذكر في موضع التأنيث للفظ جاز ، ولكن الأفصح من الكلام التأنيث إذا ظهر بعد ما يدل على تأنيثها والتذكير إذا لم يظهر ذلك . وقوله :
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يقول : وهو العزيز في نقمته ممن انتقم منه من خلقه بحبس رحمته عنه وخيراته ، الحكيم في تدبير خلقه ، وفتحه لهم الرحمة إذا كان فتح ذلك صلاحا ، وإمساكه إياه عنهم إذا كان إمساكه حكمة . القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
يقول تعالى ذكره للمشركين به من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
التي أنعمها
عَلَيْكُمْ
بفتحه لكم من خيراته ما فتح وبسطه لكم من العيش ما بسط وفكروا فانظروا هل من خالق سوى فاطر السماوات والأرض الذي بيده مفاتيح أرزاقكم ومغالقها
يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
فتعبدوه دونه
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
يقول : لا معبود تنبغي له العبادة إلا الذي فطر السماوات والأرض ، القادر على كل شيء ، الذي بيده مفاتح الأشياء وخزائنها ، ومغالق ذلك كله ، فلا تعبدوا أيها الناس شيئا سواه ، فإنه لا يقدر على نفعكم وضركم سواه ، فله فأخلصوا العبادة ، وإياه فأفردوا بالألوهة
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
يقول : فأي وجه عن خالقكم ورازقكم الذي بيده نفعكم وضركم تصرفون ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
يقول الرجل : إنه ليوفك عنى كذا وكذا وقد بينت معنى الإفك ، وتأويل قوله :
تُؤْفَكُونَ
فيما مضى بشواهده المغنية عن تكريره . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ . . .
وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وإن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله من قومك فلا يحزننك ذاك ، ولا يعظم عليك ، فإن ذلك سنة أمثالهم من كفرة الأمم بالله ، من قبلهم ، وتكذيبهم رسل الله التي أرسلها إليهم من قبلك ، ولن يعدو مشركو قومك أن يكونوا مثلهم ، فيتبعوا في تكذيبك منهاجهم ، ويسلكوا سبيلهم
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
يقول تعالى ذكره : وإلى الله مرجع أمرك وأمرهم ، فمحل بهم العقوبة ، إن هم لم ينيبوا إلى طاعتنا في اتباعك ، والإقرار بنبوتك ، وقبول ما دعوتهم إليه من النصيحة ، نظير ما أحللنا بنظرائهم من الأمم المكذبة رسلها قبلك ، ومنجيك وأتباعك من ذلك ، سنتنا بمن قبلك في رسلنا وأوليائنا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل