تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
تمنى نئيشا أن يكون أطاعني * وقد حدثت بعد الأمور أمور
ومن النوش قول الراجز :
فهي تنوش الحوض نوشا من علا * نوشا به تقطع أجواز الفلا
ويقال للقوم في الحرب ، إذا دنا بعضهم إلى بعض بالرماح ولم يتلاقوا : قد تناوش القوم . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان معروفتان في قراء الأمصار ، متقاربتا المعنى ، وذلك أن معنى ذلك : وقالوا آمنا بالله ، في حين لا ينفعهم قيل ذلك ، فقال الله
وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ
أي وأين لهم التوبة والرجعة : أي قد بعدت عنهم ، فصاروا منها كموضع بعيد أن يتناولوها ؛ وإنما وصفت ذلك الموضع بالبعيد ، لأنهم قالوا ذلك في القيامة ، فقال الله : أني لهم بالتوبة المقبولة ، والتوبة المقبولة إنما كانت في الدنيا ، وقد ذهبت الدنيا فصارت بعيدا من الآخرة ، فبأية القراءتين اللتين ذكرت قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك . وقد يجوز أن يكون الذين قرؤوا ذلك بالهمز همزوا ، وهم يريدون معنى من لم يهمز ، ولكنهم همزوه لانضمام الواو فقلبوها ، كما قيل :
وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ
فجعلت الواو من وقتت ، إذا كانت مضمومة همزوه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن عطية ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، قال : قلت لابن عباس : أرأيت قول الله :
وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ
قال : يسألون الرد ، وليس بحين رد . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس نحوه . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله
وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ
يقول : فكيف لهم بالرد . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ
قال : الرد . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد
وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ
قال : التناول
مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
قال : هؤلاء قتلى أهل بدر من قتل منهم ، وقرأ :
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ وَقالُوا آمَنَّا بِهِ
الآية ، قال : التناوش : التناول ، وأنى لهم تناول التوبة من مكان بعيد ، وقد تركوها في الدنيا ، قال : وهذا بعد الموت في الآخرة . قال : وقال ابن زيد في قوله
وَقالُوا آمَنَّا بِهِ
بعد القتل
وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
وقرأ :
وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ
قال : ليس لهم توبة ، وقال : عرض الله عليهم أن يتوبوا مرة واحدة ، فيقبلها الله منهم ، فأبوا ، أو يعرضون التوبة بعد الموت ، قال : فهم يعرضونها في الآخرة خمس عرضات ، فيأبى الله أن يقبلها منهم ؛ قال : والتائب عند الموت ليست له توبة
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا
الآية ، وقرأ :
رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ
حدثنا عمرو بن عبد الحميد ، قال : ثنا مروان ، عن جويبر ، عن الضحاك ، في قول :
وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ
قال : وأنى لهم الرجعة . وقوله :
مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
يقول : من آخرتهم إلى الدنيا ، كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
من الآخرة إلى الدنيا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
يقول تعالى ذكره :
وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ
يقول : وقد كفروا بما يسألونه ربهم عند نزول العذاب بهم ، ومعاينتهم إياه من الإقالة له ، وذلك الإيمان بالله ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبما جاءهم به من عند الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ
أي
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 74 | محمد بن جرير الطبري