ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ يعزي نبيه كما تسمعون وقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يقول تعالى ذكره لمشركي قريش ، المكذبي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أيها الناس إن وعد الله إياكم بأسه على إصراركم على الكفر به ، وتكذيب رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وتحذيركم نزول سطوته بكم على ذلك حق ، فأيقنوا بذلك ، وبادروا حلول عقوبتكم بالتوبة والإنابة إلى طاعة الله والإيمان به وبرسوله فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا يقول : فلا يغرنكم ما أنتم فيه من العيش في هذه الدنيا ورياستكم التي تترأسون بها في ضعفائكم فيها عن اتباع محمد والإيمان وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يقول : ولا يخدعنكم بالله الشيطان ، فيمنيكم الأماني ، ويعدكم من الله العدات الكاذبة ، ويحملكم على الإصرار على كفركم بالله ، كما : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يقول : الشيطان القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ يقول تعالى ذكره : إِنَّ الشَّيْطانَ الذي نهيتكم أيها الناس أن تغتروا بغروره إياكم بالله لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا يقول : فأنزلوه من أنفسكم منزل العدو منكم ، واحذروه بطاعة الله واستغشاشكم إياه ، حذركم من عدوكم الذي تخافون غائلته على أنفسكم ، فلا تطيعوه ولا تتبعوا خطواته ، فإنه إنما يدعو حزبه ، يعني شيعته ، ومن أطاعه إلى طاعته والقبول منه ، والكفر بالله لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ يقول : ليكونوا من المخلدين في نار جهنم التي تتوقد على أهلها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا فإنه لحق على كل مسلم عدواته ، وعدواته أن يعاديه بطاعة الله إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ وحزبه : أولياؤه . لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ أي ليسوقهم إلى النار ، فهذه عداوته حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ وقال : هؤلاء حزبه من الإنس ، يقول : أولئك حزب الشيطان ، والحزب : ولاته الذين يتولاهم ويتولونه ، وقرأ : إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ يقول تعالى ذكره : الَّذِينَ كَفَرُوا بالله ورسوله لَهُمْ عَذابٌ من الله شَدِيدٌ ، وذلك عذاب النار . وقوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا يقول : والذين صدقوا الله ورسوله ، وعملوا بما أمرهم الله ، وانتهوا عما نهاهم عنه لَهُمْ مَغْفِرَةٌ من الله لذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وذلك الجنة ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وهي الجنة القول في تأويل قوله تعالى : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً . . . مَنْ يَشاءُ يقول تعالى ذكره : أفمن حسن له الشيطان أعماله السيئة من معاصي الله والكفر به ، وعبادة ما دونه من الآلهة والأوثان ، فرآه حسنا ، فحسب سيئ ذلك حسنا ، وظن أن قبحه جميل ، لتزيين الشيطان ذلك له ، ذهبت نفسك عليهم حسرات ؛ وحذف من الكلام : ذهبت نفسك عليهم حسرات ، اكتفاء بدلالة قوله : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ منه . وقوله : فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ يقول : فإن الله يخذل من يشاء عن الإيمان به واتباعك وتصديقك ، فيضله عن الرشاد إلى الحق في ذلك ، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ يقول : ويوفق من يشاء للإيمان به واتباعك ، والقبول منك ، فتهديه إلى سبيل الرشاد فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ يقول : فلا تهلك نفسك حزنا على ضلالتهم وكفرهم بالله ، وتكذيبهم لك .
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 78
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٧٨