ضربة يخسف الله بهم ، فذلك قوله في سورة سبأ
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ
الآية ، ولا ينفلت منهم إلا رجلان : أحدهما بشير ، والآخر نذير ، وهما من جهينة ، فلذلك جاء القول :
وعند جهينة الخبر اليقين حدثنا محمد بن خلف العسقلاني قال : سألت رواد بن الجراح ، عن الحديث الذي حدث به عنه ، عن سفيان الثوري ، عن منصور ، عن ربعي ، عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، عن قصة ذكرها في الفتن ، قال : فقلت له : أخبرني عن هذا الحديث سمعته من سفيان الثوري ؟ قال : لا ، قلت : فقرأته عليه ، قال : لا ، قلت : فقريء عليه وأنت حاضر ؟ قال : لا ، قلت : فما قصته ، فما خبره ؟ قال : جاءني قوم فقالوا : معنا حديث عجيب ، أو كلام هذا معناه ، نقرؤه وتسمعه ، قلت لهم :
هاتوه ، فقرءوه علي ، ثم ذهبوا فحدثوا به عني ، أو كلام هذا معناه . قال أبو جعفر : وقد : حدثني ببعض هذا الحديث محمد بن خلف ، قال : ثنا عبد العزيز بن أبان ، عن سفيان الثوري ، عن منصور ، عن ربعي ، عن حذيفة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، حديث طويل ، قال : رأيته في كتاب الحسين بن علي الصدائي ، عن شيخ ، عن رواد ، عن سفيان بطوله . وقال آخرون : بل عنى بذلك المشركون إذا فزعوا عند خروجهم من قبورهم . ذكر من قال ذلك : حدثني بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، قوله :
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا
قال : فزعوا يوم القيامة حين خرجوا من قبورهم .
وقال قتادة :
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ
حين عاينوا عذاب الله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن عطاء ، عن ابن معقل
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ
قال : أفزعهم يوم القيامة فلم يفوتوا . والذي هو أولى بالصواب في تأويل ذلك ، وأشبه بما دل عليه ظاهر التنزيل قول من قال : وعيد الله المشركين الذين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه لأن الآيات قبل هذه الآية جاءت بالإخبار عنهم وعن أسبابهم ، وبوعيد الله إياهم مغبته ، وهذه الآية في سياق تلك الآيات ، فلأن يكون ذلك خبرا عن حالهم أشبه منه بأن يكون خبرا لما لم يجر له ذكر . وإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام : ولو ترى يا محمد هؤلاء المشركين من قومك ، فتعاينهم حين فزعوا من معاينتهم عذاب الله
فَلا فَوْتَ
يقول فلا سبيل حينئذ أن يفوتوا بأنفسهم ، أو يعجزونا هربا ، وينجوا من عذابنا ، كما : حدثنا علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ
يقول : فلا نجاة . حدثنا عمرو بن عبد الحميد ، قال : ثنا مروان ، عن جويبر ، عن الضحاك ، في قوله :
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ
قال : لا هرب . وقوله :
وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ
يقول : وأخذهم الله بعذابه من موضع قريب ، لأنهم حيث كانوا من الله قريب لا يبعدون عنه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
يقول تعالى ذكره : وقال هؤلاء المشركون حين عاينوا عذاب الله آمنا به ، يعني : آمنا بالله وبكتابه ورسوله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
وَقالُوا آمَنَّا بِهِ
قالوا : آمنا بالله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
قالُوا آمَنَّا بِهِ
عند ذلك ، يعني :
حين عاينوا عذاب الله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَقالُوا آمَنَّا بِهِ
بعد القتل وقوله
وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ
يقول : ومن أي وجه لهم التناوش . واختلفت قراء الأمصار في ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة
التَّناوُشُ
بغير همز ، بمعنى : التناول ؛ وقرأته عامة قراء الكوفة والبصرة :
" التناوش " بالهمز ، بمعنى : التنؤش ، وهو الإبطاء ، يقال منه : تناءشت الشيء : أخذته من بعيد ، ونشته : أخذته من قريب ؛ ومن التنؤش قول الشاعر :