قراء الكوفة : " علام الغيب " على مثال فعال ، وبالخفض ردا لإعرابه على إعراب قوله
وَرَبِّي
إذ كان من نعته . والصواب من القول في ذلك عندنا ، أن كل هذه القراءات الثلاث ، قراءات مشهورات في قراء الأمصار متقاربات المعاني ، فبأيتهن قرأ القارئ فمصيب ؛ غير أن أعجب القراءات في ذلك إلي أن أقرأ بها : " علام الغيب " على القراءة التي ذكرتها عن عامة قراء أهل الكوفة ؛ فأما اختيار علام على عالم ، فلأنها أبلغ في المدح . وأما الخفض فيها فلأنها من نعت الرب ، وهو في موضع الجر . وعنى بقوله :
" علام الغيب " علام ما يغيب عن أبصار الخلق ، فلا يراه أحد ، إما ما لم يكونه مما سيكونه ، أو ما قد كونه فلم يطلع عليه أحدا غيره . وإنما وصف جل ثناؤه في هذا الموضع نفسه بعلمه الغيب ، إعلاما منه خلقه أن الساعة لا يعلم وقت مجيئها أحد سواه ، وإن كانت جائية ، فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قل للذين كفروا بربهم : بلى وربكم لتأتينكم الساعة ، ولكنه لا يعلم وقت مجيئها أحد سوى علام الغيوب ، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة . يعني جل ثناؤه بقوله :
لا يَعْزُبُ عَنْهُ
لا يغيب عنه ، ولكنه ظاهر له .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك : حدثنا علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس في قوله :
لا يَعْزُبُ عَنْهُ
يقول : لا يغيب عنه . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله :
لا يَعْزُبُ عَنْهُ
قال : لا يغيب . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ
أي لا يغيب عنه . وقد بينا ذلك لا يعزب عنه بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقوله :
مِثْقالُ ذَرَّةٍ
يعني : زنة ذرة في السماوات ولا في الأرض ؛ يقول تعالى ذكره : لا يغيب عنه شيء من زنة ذرة فما فوقها فما دونها ، أين كان في السماوات ولا في الأرض
وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ
يقول : ولا يعزب عنه أصغر من مثقال ذرة
وَلا أَكْبَرُ
منه
إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
يقول : هو مثبت في كتاب يبين للناظر فيه أن الله تعالى ذكره قد أثبته وأحصاه وعلمه ، فلم يعزب عن علمه . القول في تأويل قوله تعالى :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
. . . كَرِيمٌ
يقول تعالى ذكره : أثبت ذلك في الكتاب المبين ، كي يثيب الذين آمنوا بالله ورسوله ، وعملوا بما أمرهم الله ورسوله به ، وانتهوا عما نهاهم عنه على طاعتهم ربهم
أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
يقول جل ثناؤه : لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، مغفرة من ربهم لذنوبهم
وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
يقول : وعيش هنيء يوم القيامة في الجنة ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
لذنوبهم
وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
في الجنة . القول في تأويل قوله تعالى :
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ
يقول تعالى ذكره : أثبت ذلك في الكتاب ، ليجزي المؤمنين ما وصف ، وليجزي الذين سعوا في آياتنا معاجزين ؛ يقول : وكي يثيب الذين عملوا في إبطال أدلتنا وحججنا معاونين ، يحسبون أنهم يسبقوننا بأنفسهم فلا نقدر عليهم
أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ
يقول : هؤلاء لهم عذاب من شديد العذاب الأليم ؛ ويعني بالأليم : الموجع . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ
أي لا يعجزون
أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ
قال :
الرجز : سوء العذاب ، الأليم : الموجع . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله :