تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
، كما كذب أولئك إبراهيم ، ثم جعل مكان : فكذبتم : وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم ، إذ كان ذلك يدل على الخبر عن تكذيبهم رسولهم ، ثم عاد إلى الخبر عن إبراهيم وقومه ، وتتميم قصته وقصتهم بقوله
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ
القول في تأويل قوله تعالى :
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
يقول تعالى ذكره : فلم يكن جواب قوم إبراهيم له إذ قال لهم : اعبدوا الله واتقوه ، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ، إلا أن قال بعضهم لبعض : اقتلوه أو حرقوه بالنار ، ففعلوا ، فأرادوا إحراقه بالنار ، فأضرموا له النار ، فألقوه فيها ، فأنجاه الله منها ، ولم يسلطها عليه ، بل جعلها عليه بردا وسلاما . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فما كان جواب قوم إبراهيم
إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ ، فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ
قال : قال كعب : ما حرقت منه إلا وثاقه
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
يقول تعالى ذكره : إن في إنجائنا لإبراهيم من النار ، وقد ألقي فيها وهي تسعر ، وتصييرها عليه بردا وسلاما ، لأدلة وحججا لقوم يصدقون بالأدلة والحجج إذا عاينوا ورأوا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . . .
ناصِرِينَ
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل إبراهيم لقومه :
وَقالَ
إبراهيم لقومه : يا قوم
إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً
. واختلفت القراء في قراءة قوله :
مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ
فقرأته عامة قراء المدينة والشام وبعض الكوفيين : " مودة " بنصب مودة بغير إضافة بينكم بنصبها . وقرأ ذلك بعض الكوفيين :
مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ
بنصب المودة وإضافتها إلى قوله
بَيْنِكُمْ
وخفض بينكم . وكأن هؤلاء الذين قرءوا قوله :
مَوَدَّةَ
نصبا وجهوا معنى الكلام إلى : إنما اتخذتم أيها القوم أوثانا مودة بينكم ، فجعلوا إنما حرفا واحدا ، وأوقعوا قوله
اتَّخَذْتُمْ
على الأوثان ، فنصبوها بمعنى : اتخذتموها مودة بينكم في الحياة الدنيا ، تتحابون على عبادتها ، وتتوادون على خدمتها ، فتتواصلون عليها . وقرأ ذلك بعض قراء أهل مكة والبصرة : " مودة بينكم " برفع المودة وإضافتها إلى البين ، وخفض البين . وكأن الذين قرءوا ذلك كذلك ، جعلوا " إن ما " حرفين ، بتأويل : إن الذين اتخذتم من دون الله أوثانا إنما هو مودتكم للدنيا ، فرفعوا مودة على خبر إن . وقد يجوز أن يكونوا على قراءتهم ذلك رفعا بقوله " إنما " أن تكون حرفا واحدا ، ويكون الخبر متناهيا عند قوله
إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً
ثم يبتدئ الخبر فيقال : ما مودتكم تلك الأوثان بنافعتكم ، إنما مودة بينكم في حياتكم الدنيا ، ثم هي منقطعة ، وإذا أريد هذا المعنى كانت المودة مرفوعة بالصفة بقوله
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
وقد يجوز أن يكونوا أرادوا برفع المودة ، رفعها على ضمير هي . وهذه القراءات الثلاث متقاربات المعاني ، لأن الذين اتخذوا الأوثان آلهة يعبدونها ، اتخذوها مودة بينهم ، وكانت لهم في الحياة الدنيا مودة ، ثم هي عنهم منقطعة ، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب ، لتقارب معافي ذلك ، وشهرة القراءة بكل واحدة منهن في قراء الأمصار . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
قال : صارت كل خلة في الدنيا عداوة على أهلها يوم القيامة إلا خلة المتقين . وقوله :
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
يقول تعالى ذكره : ثم يوم القيامة أيها المتوادون على عبادة الأوثان والأصنام ، والمتواصلون على خدماتها عند ورودكم على ربكم ، ومعاينتكم ما أعد الله لكم على التواصل ، والتواد في الدنيا من أليم العذاب
يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ