أي تصنعون أصناما . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً
الأوثان التي ينحتونها بأيديهم . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : معناه :
وتصنعون كذبا . وقد بينا معنى الخلق فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . فتأويل الكلام إذن :
إنما تعبدون من دون الله أوثانا ، وتصنعون كذبا وباطلا . وإنما في قوله
إِفْكاً
مردود على إنما ، كقول القائل : إنما تفعلون كذا ، وإنما تفعلون كذا . وقرأ جميع قراء الأمصار :
وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً
بتخفيف الخاء من قوله :
وَتَخْلُقُونَ
وضم اللام : من الخلق . وذكر عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قرأ :
وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً
بفتح الخاء وتشديد اللام من التخليق . والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار ، لإجماع الحجة من القراء عليه . وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً
يقول جل ثناؤه : إن أوثانكم التي تعبدونها ، لا تقدر أن ترزقكم شيئا
فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ
يقول :
فالتمسوا عند الله الرزق لا من عند أوثانكم ، تدركوا ما تبتغون من ذلك
وَاعْبُدُوهُ
يقول : وذلوا له
وَاشْكُرُوا لَهُ
على رزقه إياكم ، ونعمه التي أنعمها عليكم . يقال : شكرته ، وشكرت له أفصع من شكرته .
وقوله :
إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
يقول : إلى الله تردون من بعد مماتكم ، فيسألكم عما أنتم عليه من عبادتكم غيره وأنتم عباده وخلقه ، وفي نعمه تتقلبون ، ورزقه تأكلون . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ
يقول تعالى ذكره : وإن تكذبوا أيها الناس رسولنا محمدا صلى الله عليه وسلم فيما دعاكم إليه من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم ، والبراءة من الأوثان ، فقد كذبت جماعات من قبلكم رسلها فيما دعتهم إليه الرسل من الحق ، فحل بها من الله سخطه ، ونزل بها منه عاجل عقوبته ، فسبيلكم سبيلها فيما هو نازل بكم بتكذيبكم إياه .
وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
يقول : وما على محمد إلا أن يبلغكم عن الله رسالته ، ويؤدي إليكم ما أمره بأدائه إليكم ربه . ويعني بالبلاغ المبين : الذي يبين لمن سمعه ما يراد به ، ويفهم به ما يعني به . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ . . .
سِيرُوا
يقول تعالى ذكره : أو لم يروا كيف يستأنف الله خلق الأشياء طفلا صغيرا ، ثم غلاما يافعا ، ثم رجلا مجتمعا ، ثم كهلا . يقال منه : أبدأ وأعاد ، وبدأ وعاد ، لغتان بمعنى واحد . وقوله :
ثُمَّ يُعِيدُهُ
يقول : ثم هو يعيده من بعد فنائه وبلاه ، كما بدأه أول مرة خلقا جديدا ، لا يتعذر عليه ذلك .
إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
سهل كما كان يسيرا عليه إبداؤه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله
أَ وَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
بالبعث بعد الموت . وقوله
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ
يقول تعالى ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد للمنكرين للبعث بعد الممات ، الجاحدين الثواب والعقاب : سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الله الأشياء وكيف أنشأها وأحدثها ؛ وكما أوجدها وأحدثها ابتداء ، فلم يتعذر عليه إحداثها مبدئا ، فكذلك لا يتعذر عليه إنشاؤها معيدا
ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ
يقول : ثم الله يبدئ تلك البدأة الآخرة بعد الفناء . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا