تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
كَفَرُوا
هم القادة من الكفار ، قالوا لمن آمن من الأتباع : اتركوا دين محمد واتبعوا ديننا ، وهذا أعني قوله
اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ
وإن كان خرج مخرج الأمر ، فإن فيه تأويل الجزاء ، ومعناه ما قلت : إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم ، كما قال الشاعر :
فقلت ادعي وأدع فان أندى * لصوت أن ينادي داعيان
يريد : ادعي ولأدع ، ومعناه : إن دعوت دعوت . وقوله :
وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
وهذا تكذيب من الله للمشركين القاتلين للذين آمنوا
اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ
يقول جل ثناؤه : وكذبوا في قيلهم ذلك لهم ، ما هم بحاملين من آثام خطاياهم من شيء ، إنهم لكاذبون فيما قالوا لهم ووعدوهم ، من حمل خطاياهم إن هم اتبعوهم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ
يقول تعالى ذكره : وليحملن هؤلاء المشركون بالله القاتلون للذين آمنوا به اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم أوزار أنفسهم وآثامها ، وأوزار من أضلوا وصدوا عن سبيل الله مع أوزارهم ، وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يكذبونهم في الدنيا بوعدهم إياهم الأباطيل ، وقيلهم لهم : اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم فيفترون الكذب بذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ
أي أوزارهم
وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ
يقول أوزار من أضلوا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ ، وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ
. وقرأ قوله :
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ، وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ
قال : فهذا قوله
وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ
القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً
وهذا وعيد من الله تعالى ذكره هؤلاء المشركين من قريش ، القائلين للذين آمنوا : اتبعوا سبيلنا ، ولنحمل خطاياكم ، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : لا يحزننك يا محمد ما تلقى من هؤلاء المشركين أنت وأصحابك من الأذى ، فإني وإن أمليت لهم فأطلت إملاءهم ، فإن مصير أمرهم إلى البوار ، ومصير أمرك وأمر أصحابك إلى العلو والظفر بهم ، والنجاة مما يحل بهم من العقاب ، كفعلنا ذلك بنوح ، إذ أرسلناه إلى قومه ، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى التوحيد ، وفراق الآلهة والأوثان ، فلم يزدهم ذلك من دعائه إياهم إلى الله من الإقبال إليه ، وقبول ما أتاهم به من النصيحة من عند الله إلا فرارا . وذكر أنه أرسل إلى قومه وهو ابن ثلاث مئة وخمسين سنة ، كما : حدثنا نصر بن علي الجهضمي ، قال : ثنا نوح بن قيس ، قال : ثنا عون بن أبي شداد ، قال : إن الله أرسل نوحا إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاث مئة سنة فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، ثم عاش ، بعد ذلك خمسين وثلاث مئة سنة
فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ
يقول تعالى ذكره : فأهلكهم الماء الكثير ، وكل ماء كثير فاش طام ، فهو عند العرب طوفان ، سيلا كان أو غيره ، وكذلك الموت إذا كان فاشيا كثيرا ، فهو أيضا عندهم طوفان ؛ ومنه قول الراجز :
أفناهم طوفان موت جارف
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 87 | محمد بن جرير الطبري