أو لامرأة . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان ، وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ؛ فالإجراء في سبأ ، وغير الإجراء صواب ، لأن سبأ إن كان رجلا كما جاء به الأثر ، فإنه إذا أريد به اسم الرجل أجري ، وإن أريد به اسم القبيلة لم يجر ، كما قال الشاعر في إجرائه :
الواردون وتيم في ذرا سبا * قد عض أعناقهم جلد الجواميس
يروى : ذرا ، وذرى ، وقد حدثت عن الفراء عن الرؤاسي أنه سأل أبا عمرو بن العلاء كيف لم يجر سبأ ؟ قال :
لست أدري ما هو ؛ فكأن أبا عمرو ترك إجراءه ، إذ لم يدر ما هو ، كما تفعل العرب بالأسماء المجهولة التي لا تعرفها من ترك الإجراء . حكي عن بعضهم : هذا أبو معرور قد جاء ، فترك إجراءه إذ لم يعرفه في أسمائهم .
وإن كان سبأ جبلا ، أجري لأنه يراد به الجبل بعينه ، وإن لم يجر فلأنه يجعل اسما للجبل وما حوله من البقعة . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ . . .
وَلَها عَرْشٌ . . .
فَصَدَّهُمْ
يقول تعالى مخبرا عن قيل الهدهد لسليمان مخبرا بعذره في مغيبه عنه :
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ
يعني تملك سبأ ، وإنما صار هذا الخبر للهدهد عذرا وحجة عند سليمان ، درأ به عنه ما كان أوعد به ، لأن سليمان كان لا يرى أن في الأرض أحدا له مملكة معه ، وكان مع ذلك صلى الله عليه وسلم رجلا حبب إليه الجهاد والغزو ، فلما دله الهدهد على ملك بموضع من الأرض هو لغيره ، وقوم كفرة يعبدون غير الله ، له في جهادهم وغزوهم الأجر الجزيل ، والثواب العظيم في الآجل ، وضم مملكة لغيره إلى ملكه ، حقت للهدهد المعذرة ، وصحت له الحجة في مغيبه عن سليمان . وقوله :
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
يقول : وأوتيت من كل شيء يؤتاه الملك في عاجل الدنيا مما يكون عندهم من العتاد والآلة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي عبيدة الباجي ، عن الحسن ، قوله :
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
يعني : من كل أمر الدنيا . وقوله
وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
يقول : ولها كرسي عظيم . وعني بالعظيم في هذا الموضع :
العظيم في قدره ، وعظم خطره ، لا عظمه في الكبر والسعة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، قوله :
وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
قال : سرير كريم ، قال : حسن الصنعة ، وعرشها : سرير من ذهب قوائمه من جوهر ولؤلؤ . حدثنا القاسم قال : ثني حجاج ، عن أبي عبيدة الباجي ، عن الحسن ، قوله :
وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
يعني سرير عظيم . وقوله :
وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
يقول :
وجدت هذه المرأة ملكة سبأ ، وقومها من سبأ ، يسجدون للشمس فيعبدونها من دون الله . وقوله :
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ
يقول : وحسن لهم إبليس عبادتهم الشمس ، وسجودهم لها من دون الله ،