الآيات من الله حق ، فلم جحدوا بها ؟ قال : ظلما وعلوا . وقوله :
ظُلْماً وَعُلُوًّا
يعني بالظلم : الاعتداء ، والعلو : الكبر ، كأنه قيل : اعتداء وتكبرا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله :
ظُلْماً وَعُلُوًّا
قال : تعظما واستكبارا ، ومعنى ذلك : وجحدوا بالآيات التسع ظلما وعلوا ، واستيقنتها أنفسهم أنها من عند الله ، فعاندوا الحق بعد وضوحه لهم ، فهو من المؤخر الذي معناه التقديم . وقوله :
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فانظر يا محمد بعين قلبك كيف كان عاقبة تكذيب هؤلاء الذين جحدوا آياتنا حين جاءتهم مبصرة ، وماذا حل بهم من إفسادهم في الأرض ومعصيتهم فيها ربهم ، وأعقبهم ما فعلوا ، فإن ذلك أخرجهم من جنات وعيون ، وزروع ومقام كريم ، إلى هلاك في العاجل بالغرق ، وفي الآجل إلى عذاب دائم ،
لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ ، وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
يقول : وكذلك يا محمد سنتي في الذين كذبوا بما جئتهم به من الآيات على حقيقة ما تدعوهم إليه من الحق من قومك . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً . .
. الْمُؤْمِنِينَ
يقول تعالى ذكره :
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً
وذلك علم كلام الطير والدواب ، وغير ذلك مما خصهم الله بعلمه .
وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ
يقول جل ثناؤه : وقال داود وسليمان :
الحمد لله الذي فضلنا بما خصنا به من العلم الذي آتاناه دون سائر خلقه من بني آدم في زماننا هذا على كثير من عباده المؤمنين به في دهرنا هذا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ
يقول تعالى ذكره :
وَوَرِثَ سُلَيْمانُ
أباه
داوُدَ
العلم الذي كان آتاه الله في حياته ، والملك الذي كان خصه به على سائر قومه ، فجعله له بعد أبيه داود دون سائر ولد أبيه .
يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ
يقول : وقال سليمان لقومه : يا أيها الناس علمنا منطق الطير ، يعني فهمنا كلامها ؛ وجعل ذلك من الطير كمنطق الرجل من بني آدم إذ فهمه عنها ، وقد : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي معشر ، عن محمد بن كعب :
وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ
قال : بلغنا أن سليمان كان عسكره مئة فرسخ :
خمسة وعشرون منها للإنس ، وخمسة وعشرون للجن وخمسة وعشرون للوحش وخمسة وعشرون للطير ، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب ؛ فيها ثلاث مئة صريحة ، وسبع مئة سرية ، فأمر الريح العاصف فرفعته ، وأمر الرخاء فسيرته ؛ فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض : إني قد أردت أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت الريح فأخبرته . وقوله :
وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
يقول :
وأعطينا ووهب لنا من كل شيء من الخيرات .
إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ
يقول : إن هذا الذي أوتينا من الخيرات لهو الفضل على جميع أهل دهرنا المبين ، يقول : الذي يبين لمن تأمله وتدبره أنه فضل أعطيناه على من سوانا من الناس . القول في تأويل قوله تعالى :
وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ
يقول تعالى ذكره : وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير في مسير لهم فهم يوزعون . واختلف أهل التأويل في معنى قوله
فَهُمْ يُوزَعُونَ
فقال بعضهم : معنى ذلك : فهم يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ،