تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
قوله :
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ، ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ
ثم تاب من بعد إساءته
فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ
القول في تأويل قوله تعالى :
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ . . .
إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيله لنبيه موسى :
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ
ذكر أنه تعالى ذكره أمره أن يدخل كفه في جيبه ؛ وإنما أمره بإدخاله في جيبه ، لأن الذي كان عليه يومئذ مدرعة من صوف . قال بعضهم : لم يكن لها كم . وقال بعضهم : كان كمها إلى بعض يده . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد :
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ
قال : الكف فقط في جيبك . قال : كانت مدرعة إلى بعض يده ، ولو كان لها كم أمره أن يدخل يده في كمه . قال : ثني حجاج ، عن يونس بن أبي إسحاق ، عن أبيه ، عن عمرو بن ميمون ، قال : قال ابن مسعود : إن موسى أتى فرعون حين أتاه في ذر مانقة ، يعني جبة صوف . وقوله :
تَخْرُجْ بَيْضاءَ
يقول : تخرج اليد بيضاء بغير لون موسى من
غَيْرِ سُوءٍ
يقول : من غير برص
فِي تِسْعِ آياتٍ
، يقول تعالى ذكره : أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ، فهي آية في تسع آيات مرسل أنت بهن إلى فرعون ؛ وترك ذكر مرسل لدلالة قوله
إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ
على أن ذلك معناه ، كما قال الشاعر :
رأتني بحبليها فصدت مخافة * وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق
ومعنى الكلام : رأتني مقبلا بحبليها ، فترك ذكر " مقبل " استغناء بمعرفة السامعين معناه في ذلك ، إذ قال : رأتني بحبليها ؛ ونظائر ذلك في كلام العرب كثيرة . والآيات التسع : هن الآيات التي بيناهن فيما مضى . وقد : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ
قال : هي التي ذكر الله في القرآن : العصا ، واليد ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والطوفان ، والدم ، والحجر ، والطمس الذي أصاب آل فرعون في أموالهم . وقوله :
إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ
يقول : إن فرعون وقومه من القبط كانوا قوما فاسقين ، يعني كافرين بالله . وقد بينا معنى الفسق فيما مضى . القول في تأويل قوله تعالى :
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا . . .
ظُلْماً وَعُلُوًّا
يقول تعالى ذكره : فلما جاءت فرعون وقومه آياتنا ، يعني أدلتنا وحججنا ، على حقيقة ما دعاهم إليه موسى وصحته ، وهي الآيات التسع التي ذكرناها قبل . وقوله
مُبْصِرَةً
يقول : يبصر بها من نظر إليها ورآها حقيقة ما دلت عليه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج :
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً
قال : بينة .
قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ
يقول : قال فرعون وقومه : هذا الذي جاءنا به موسى سحر مبين ، يقول : يبين للناظرين له أنه سحر . وقوله :
وَجَحَدُوا بِها
يقول : وكذبوا بالآيات التسع أن تكون من عند الله ، كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج :
وَجَحَدُوا بِها
قال : الجحود : التكذيب بها . وقوله :
وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
يقول : وأيقنتها قلوبهم ، وعلموا يقينا أنها من عند الله ، فعاندوا بعد تبينهم الحق ، ومعرفتهم به ، كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس :
وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
قال : يقينهم في قلوبهم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قول الله :
وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
قال : استيقنوا أن
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 86 | محمد بن جرير الطبري