يرفعن بالليل إذا ما أسدفا * أعناق جنان وهاما رجفا
وعنقا بعد الرسيم خيطفا
وقوله :
وَلَّى مُدْبِراً
يقول تعالى ذكره : ولى موسى هاربا خوفا منها .
وَلَمْ يُعَقِّبْ
يقول : ولم يرجع ؛ من قولهم :
عقب فلان : إذا رجع على عقبه إلى حيث بدأ . وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك ، قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله :
وَلَمْ يُعَقِّبْ
قال : لم يرجع .
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان عن معمر ، عن قتادة ، قال : لم يلتفت . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَلَمْ يُعَقِّبْ
قال : لم يرجع
يا مُوسى
قال : لما ألقى العصا صارت حية ، فرعب منها وجزع ، فقال الله :
إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
قال : فلم يرعو لذلك ، قال : فقال الله له :
أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ
قال : فلم يقف أيضا على شيء من هذا حتى قال :
سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى
قال : فالتفت فإذا هي عصا كما كانت ، فرجع فأخذها ، ثم قوي بعد ذلك حتى صار يرسلها على فرعون ويأخذها . وقوله :
يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ
يقول تعالى ذكره : فناداه ربه : يا موسى لا تخف من هذه الحية ، إني لا يخاف لدي المرسلون : يقول : إني لا يخاف عندي رسلي وأنبيائي الذين اختصهم بالنبوة ، إلا من ظلم منهم ، فعمل بغير الذي أذن له في العمل به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قوله :
يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
قال : لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم ، فإن أصابه أخافه حتى يأخذه منه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا عبد الله الفزاري ، عن عبد الله بن المبارك ، عن أبي بكر ، عن الحسن ، قال : قوله :
يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ
قال : إني إنما أخفتك لقتلك النفس ، قال : وقال الحسن : كانت الأنبياء تذنب فتعاقب . واختلف أهل العربية في وجه دخول إلا في هذا الموضع ، وهو استثناء مع وعد الله الغفران المستثنى من قوله :
إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
بقوله :
فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ
. وحكم الاستثناء أن يكون ما بعده بخلاف معنى ما قبله ، وذلك أن يكون ما بعده إن كان ما قبله منفيا مثبتا كقوله : ما قام إلا زيد ، فزيد مثبت له القيام ، لأنه مستثنى مما قبل إلا ، وما قبل إلا منفي عنه القيام ، وأن يكون ما بعده إن كان ما قبله مثبتا منفيا كقولهم : قام القوم إلا زيدا ؛ فزيد منفي عنه القيام ؛ ومعناه : إن زيدا لم يقم ، والقوم مثبت لهم القيام ،
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ، ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ
، فقد أمنه الله بوعده الغفران والرحمة ، وأدخله في عداد من لا يخاف لديه من المرسلين . فقال بعض نحويي البصرة : أدخلت إلا في هذا الموضع ، لأن إلا تدخل في مثل هذا الكلام ، كمثل قول العرب : ما أشتكي إلا خيرا ؛ فلم يجعل قوله : إلا خيرا على الشكوى ، ولكنه علم أنه إذا قال : ما أشتكي شيئا أن يذكر عن نفسه خيرا ، كأنه قال : ما أذكر إلا خيرا .
وقال بعض نحويي الكوفة : يقول القائل : كيف صير خائفا من ظلم ، ثم بدل حسنا بعد سوء ، وهو مغفور له ؟
فأقول لك : في هذه الآية وجهان : أحدهما أن يقول : إن الرسل معصومة مغفور لها آمنة يوم القيامة ، ومن خلط عملا صالحا وآخر سيئا فهو يخاف ويرجو ، فهذا وجه . والآخر : أن يجعل الاستثناء