الأقوال في ذلك بتأويله قول من قال تأويله : ويرى تقلبك مع الساجدين في صلاتهم معك ، حين تقوم معهم وتركع وتسجد ، لأن ذلك هو الظاهر من معناه . فأما قول من وجهه إلى أن معناه : وتقلبك في الناس ، فإنه قول بعيد من المفهوم بظاهر التلاوة ، وإن كان له وجه ، لأنه وإن كان لا شيء إلا وظله يسجد لله ، فإنه ليس المفهوم من قول القائل : فلان مع الساجدين ، أو في الساجدين ، أنه مع الناس أوفيهم ، بل المفهوم بذلك أنه مع قوم سجود ، السجود المعروف ، وتوجيه معاني كلام الله إلى الأغلب أولى من توجيهه إلى الأنكر . وكذلك أيضا في قول من قال : معناه : تتقلب في أبصار الساجدين ، وإن كان له وجه ، فليس ذلك الظاهر من معانيه . فتأويل الكلام إذن : وتوكل على العزيز الرحيم ، الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك ، ويرى تقلبك في المؤتمين بك فيها بين قيام وركوع وسجود وجلوس وقوله :
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
يقول تعالى ذكره : إن ربك هو السميع تلاوتك يا محمد ، وذكرك في صلاتك ما تتلو وتذكر ، العليم بما تعمل فيها ويعمل فيها من يتقلب فيها معك مؤتما بك ، يقول : فرتل فيها القرآن ، وأقم حدودها ، فإنك بمرأى من ربك ومسمع . القول في تأويل قوله تعالى :
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ
يقول تعالى ذكره :
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ
أيها الناس
عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ
من الناس ؟
تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ
يعني كذاب بهات
أَثِيمٍ
يعني : آثم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
قال : كل كذاب من الناس . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد :
تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
قال : كذاب من الناس . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله :
كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
قال : هم الكهنة تسترق الجن السمع ، ثم يأتون به إلى أوليائهم من الإنس . حدثني محمد بن عمارة الأسدي ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، قال :
أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن وهب ، قال : كنت عند عبد الله بن الزبير ، فقيل له : إن المختار يزعم أنه يوحى إليه ، فقال : صدق ، ثم تلا :
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
.
وقوله :
يُلْقُونَ السَّمْعَ
يقول تعالى ذكره : يلقي الشياطين السمع ، وهو ما يسمعون مما استرقوا سمعه من حين حدث من السماء ، إلى
كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
من أوليائهم من بني آدم . وبنحو ما قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
يُلْقُونَ السَّمْعَ
قال :
الشياطين ما سمعته ألقته على كل أفاك كذاب . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد :
يُلْقُونَ السَّمْعَ
الشياطين ما سمعته ألقته
عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ
قال : يلقون السمع ، قال : القول . وقوله :
وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ
يقول : وأكثر من تنزل عليه الشياطين كاذبون فيما يقولون ويخبرون . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن ، قال :
أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، في قوله :
وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ
عن عروة ، عن عائشة قالت :
الشياطين تسترق السمع ، فتجيء بكلمة حق فيقذفها في أذن وليه ؛ قال : ويزيد فيها أكثر من مئة كذبة .
القول في تأويل قوله تعالى :
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ