لعبد الله بن عمرو : " كيف بك يا عبد الله إذا كنت في حثالة من الناس ، قد مرجت عهودهم وأماناتهم ، وصاروا هكذا وشبك بين أصابعه " يعني بقوله : قد مرجت : اختلطت ، ومنه قول الله :
فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ
أي مختلط . وإنما قيل للمرج مرج من ذلك ، لأنه يكون فيه أخلاط من الدواب ، ويقال : مرجت دابتك : أي خليتها تذهب حيث شاءت . ومنه قول الراجز :
رعى بها مرج ربيع ممرجا
وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ
يعني أنه خلع أحدهما على الآخر . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ
أفاض أحدهما على الآخر . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ
يقول : خلع أحدهما على الآخر . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو تميلة ، عن أبي حمزة ، عن جابر ، عن مجاهد :
مَرَجَ
أفاض أحدهما على الآخر . وقوله
هذا عَذْبٌ فُراتٌ
الفرات : شديد العذوبة ، يقال : هذا ماء فرات : أي شديد العذوبة . وقوله
وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ
يقول : وهذا ملح مر . يعني بالعذب الفرات : مياه الأنهار والأمطار ، وبالملح الأجاج : مياه البحار .
وإنما عنى بذلك أنه من نعمته على خلقه ، وعظيم سلطانه ، يخلط ماء البحر العذب بماء البحر الملح الأجاج ، ثم يمنع الملح من تغيير العذب عن عذوبته ، وإفساده إياه بقضائه وقدرته ، لئلا يضر إفساده إياه بركبان الملح منهما ، فلا يجدوا ماء يشربونه عند حاجتهم إلى الماء ، فقال جل ثناؤه :
وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً
يعني حاجزا يمنع كل واحد منهما من إفساد الآخر
وَحِجْراً مَحْجُوراً
يقول : وجعل كل واحد منهما حراما محرما على صاحبه أن يغيره ويفسده . وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
هذا عَذْبٌ فُراتٌ ، وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ
يعني أنه خلق أحدهما على الآخر ، فليس يفسد العذب المالح ، وليس يفسد المالح العذب ، وقوله
وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً
قال : البرزخ :
الأرض بينهما
وَحِجْراً مَحْجُوراً
يعني : حجر أحدهما على الآخر بأمره وقضائه ، وهو مثل قوله
وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً
حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً
قال : محبسا .
قوله :
وَحِجْراً مَحْجُوراً
قال : لا يختلط البحر بالعذب . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد :
وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً
قال : حاجزا لا يراه أحد ، لا يختلط العذب في البحر . قال ابن جريج : فلم أجد بحرا عذبا إلا الأنهار العذاب ، فإن دجلة تقع في البحر ، فأخبرني الخبير بها أنها تقع في البحر ، فلا تمور فيه : بينهما مثل الخيط الأبيض ؛ فإذا رجعت لم ترجع في طريقها من البحر ، والنيل يصب في البحر . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني أبو تميلة ، عن أبي حمزة ، عن جابر ، عن مجاهد :
وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً
قال : البرزخ أنهما يلتقيان فلا يختلطان ، وقوله
حِجْراً مَحْجُوراً
أي لا تختلط ملوحة هذا بعذوبة هذا ، لا يبغي أحدهما على الآخر . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن رجاء ، عن الحسن ، في قوله :
وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً