أناسي جمع واحده إنسي ، فهو مذهب أيضا محكي ، وقد يجمع أناسي مخففة الياء ، وكأن من جمع ذلك كذلك أسقط الياء التي بين عين الفعل ولامه ، كما يجمع القرقور : قراقير وقراقر . ومما يصحح جمعهم إياه بالتخفيف ، قول العرب : أناسية كثيرة . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً
يقول تعالى ذكره : ولقد قسمنا هذا الماء الذي أنزلناه من السماء طهورا لنحيي به الميت من الأرض بين عبادي ، ليتذكروا نعمي عليهم ، ويشكروا أيادي عندهم وإحساني إليهم ،
فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً
يقول : إلا جحودا لنعمي عليهم ، وأيادي عليهم .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، قال : سمعت الحسن بن مسلم يحدث طاوسا ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ما عام بأكثر مطرا من عام ، ولكن الله يصرفه بين خلقه ؛ قال : ثم قرأ :
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ
.
حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن سليمان التيمي ، قال : ثنا الحسين بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، قال : قال ابن عباس : ما عام بأكثر مطرا من عام ، ولكنه يصرفه في الأرضين ، ثم تلا
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا
. حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله :
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ
قال : المطر ينزله في الأرض ، ولا ينزله في الأرض الأخرى ، قال :
فقال عكرمة : صرفناه بينهم ليذكروا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا
قال : المطر مرة هاهنا ، ومرة هاهنا . حدثنا سعيد بن الربيع الرازي ، قال : ثنا سفيان بن عيينة ، عن يزيد بن أبي زياد ، انه سمع أبا جحيفة يقول : سمعت عبد الله بن مسعود يقول : ليس عام بأمطر من عام ، ولكنه يصرفه ، ثم قال عبد الله :
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ
. وأما قوله :
فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً
فكما حدثنا قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة :
فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً
قال : قولهم في الأنواء . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً
يقول تعالى ذكره : ولو شئنا يا محمد لأرسلنا في كل مصر ومدينة نذيرا ينذرهم بأسنا على كفرهم بنا ، فيخف عنك كثير من أعباء ما حملناك منه ، ويسقط عنك بذلك مؤنة عظيمة ، ولكنا حملناك ثقل نذارة جميع القرى ، لتستوجب بصبرك عليه إن صبرت ما أعد الله لك من الكرامة عنده ، والمنازل الرفيعة قبله ،
فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ
فيما يدعونك إليه من أن تعبد آلهتهم ، فنذيقك ضعف الحياة وضعف الممات ، ولكن جاهدهمبهذا القرآن جهادا كبيرا ، حتى ينقادوا للإقرار بما فيه من فرائض الله ، ويدينوا به ويذعنوا للعمل بجميعه طوعا وكرها . وبنحو الذي قلنا في قوله :
وَجاهِدْهُمْ بِهِ
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : قوله
فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ
قال : بالقرآن . وقال آخرون في ذلك بما . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً
قال : الإسلام . وقرأ :
وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ
وقرأ :
وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً
وقال : هذا الجهاد الكبير . القول في تأويل قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا
يقول تعالى ذكره : والله الذي خلط البحرين ، فأمرج أحدهما في الآخر ، وأفاضه فيه . وأصل المرج الخلط ، ثم يقال للتخلية : مرج ، لأن الرجل إذا خلى الشيء حتى اختلط بغيره ، فكأنه قد مرجه ؛ ومنه الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقوله