تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
مكانه الذي هو فيه ، ثم نبع بين يدي سليمان
فَلَمَّا رَآهُ
سليمان
مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي
الآية . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : نبع عرشها من تحت الأرض . وقوله :
قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي
يقول : هذا البصر والتمكن والملك والسلطان الذي أنا فيه حتى حمل إلي عرش هذه في قدر ارتداد الطرف من مأرب إلى الشام ، من فضل ربي الذي أفضله علي وعطائه الذي جاد به علي ، ليبلوني ، يقول : ليختبرني ويمتحنني ، أأشكر ذلك من فعله علي ، أم أكفر نعمته علي بترك الشكر له ؟ وقد قيل : إن معناه : أأشكر على عرش هذه المرأة إذ أتيت به ، أم كفر إذ رأيت من هو دوني في الدنيا أعلم مني ؟ ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، في قوله :
فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ
على السرير إذ أتيت به
أَمْ أَكْفُرُ
إذ رأيت من هو دوني في الدنيا أعلم مني ؟ . وقوله :
وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ
يقول : ومن شكر نعمة الله عليه ، وفضله عليه ، فإنما يشكر طلب نفع نفسه ، لأنه ليس ينفع بذلك غير نفسه ، لأنه لا حاجة لله إلى أحد من خلقه ، وإنما دعاهم إلى شكره تعريضا منه لهم للنفع ، لا لاجتلاب منه بشكرهم إياه نفعا إلى نفسه ، ولا دفع ضر عنها .
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ
يقول : ومن كفر نعمه وإحسانه إليه ، وفضله عليه ، لنفسه ظلم ، وحظها بخس ، والله غني عن شكره ، لا حاجة به إليه ، لا يضره كفر من كفر به من خلقه ، كريم ، ومن كرمه إفضاله على من يكفر نعمه ، ويجعلها وصلة يتوصل بها إلى معاصيه . القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها
يقول تعالى ذكره : قال سليمان لما أتى عرش بلقيس صاحبة سبأ ، وقدمت هي عليه ، لجنده : غيروا لهذه المرأة سريرها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة ، قوله :
نَكِّرُوا لَها عَرْشَها
قال : غيروا . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : فلما أتته
قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها
قال : وتنكير العرش ، أنه زيد فيه ونقص . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
نَكِّرُوا لَها عَرْشَها
قال : غيروه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، نحوه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
نَكِّرُوا لَها عَرْشَها
قال : مجلسها الذي تجلس فيه . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله :
نَكِّرُوا لَها عَرْشَها
أمرهم أن يزيدوا فيه ، وينقصوا منه . وقوله :
نَنْظُرْ أَ تَهْتَدِي
يقول : ننظر أتعقل فتثبت عرشها أنه هو الذي لها
أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ
يقول : من الذين لا يعقلون فلا تثبت عرشها . وقيل : إن سليمان إنما نكر لها عرشها ، وأمر بالصرح يعمل لها ، من أجل أن الشياطين كانوا أخبروه أنه لا عقل لها ، وأن رجلها كحافر حمار ، فأراد أن يعرف صحة ما قيل له من ذلك . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله
أَ تَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
نَنْظُرْ أَ تَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ
قال : زيد في عرشها ونقص
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 104 | محمد بن جرير الطبري