تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
أعني من قوله :
وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً
ومن قوله :
وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
شهادة القاذف وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن ذلك كذلك إذا لم يحد في القذف حتى تاب ، إما بأن يرفع إلى السلطان بعفو المقذوفة عنه ، وإما بأن ماتت قبل المطالبة بحدها ولم يكن لها طالب يطلب بحدها . فإذ كان ذلك كذلك وحدثت منه توبة صحت له بها العدالة . فإذ كان من الجميع إجماعا ، ولم يكن الله تعالى ذكره شرط في كتابه أن لا تقبل شهادته أبدا بعد الحد في رميه ، بل نهى عن قبول شهادته في الحال التي أوجب عليه فيها الحد وسماه فيها فاسقا ، كان معلوما بذلك أن إقامة الحد عليه في رميه ، لا تحدث في شهادته مع التوبة من ذنبه ، ما لم يكن حادثا فيها قبل إقامته عليه ، بل توبته بعد إقامة الحد عليه من ذنبه أحرى أن تكون شهادته معها أجوز منها قبل إقامته عليه ؛ لأن الحد يزيد المحدود عليه تطهيرا من جرمه الذي استحق عليه الحد . فإن قال قائل : فهل يجوز أن يكون الاستثناء من قوله :
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً
فتكون التوبة مسقطة عنه الحد ، كما كانت لشهادته عندك قبل الحد وبعده مجيزة ولاسم الفسق عنه مزيلة ؟ قيل : ذلك غير جائز عندنا ؛ وذلك أن الحد حق عندنا للمقذوفة كالقصاص الذي يجب لها من جناية يجنيها عليها مما فيه القصاص . ولا خلاف بين الجميع أن توبته من ذلك لا تضع عنه الواجب لها من القصاص منه ، فكذلك توبته من القذف لا تضع عنه الواجب لها من الحد ، لأن ذلك حق لها ، إن شاءت عفته ، وإن شاءت طالبت به . فتوبة العبد من ذنبه إنما تضع عن العبد الأسماء الذميمة والصفات القبيحة ، فأما حقوق الآدميين التي أوجبها الله لبعضهم على بعض في كل الأحوال فلا تزول بها ولا تبطل . واختلف أهل العلم في صفة توبة القاذف التي تقبل معها شهادته ، فقال بعضهم : هو إكذابه نفسه فيه . وقد ذكرنا بعض قائلي ذلك فيما مضى قبل ، ونحن نذكر بعض ما حضرنا ذكره مما لم نذكره قبل . حدثني أبو السائب ، قال : ثنا حفص ، عن ليث ، عن طاوس ، قال : توبة القاذف أن يكذب نفسه . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا حصين ، قال : رأيت رجلا ضرب حدا في قذف بالمدينة ، فلما فرغ من ضربه تناول ثوبه ، توبة القاذف ثم قال : أستغفر الله وأتوب إليه من قذف المحصنات قال : فلقيت أبا الزناد ، فذكرت ذلك له ، قال : فقال : إن الأمر عندنا هاهنا أنه إذا قال ذلك حين يفرغ من ضربه ولم نعلم منه إلا خيرا قبلت شهادته شهادة القاذف . حدثنا عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا
الآية ، توبة القاذف قال : من اعترف وأقر على نفسه علانية أنه قال البهتان وتاب إلى الله توبة نصوحا والنصوح : أن لا يعودوا ، وإقراره واعترافه عند الحد حين يؤخذ بالجلد فقد تاب والله غفور رحيم . وقال آخرون : توبته من ذلك توبة القاذف صلاح حاله وندمه على ما فرط منه من ذلك والاستغفار منه وتركه العود في مثل ذلك من الجرم . وذلك قول جماعة من التابعين وغيرهم ، وقد ذكرنا بعض قائليه فيما مضى ، وهو قول مالك بن أنس . وهذا القول قول جماعة من التابعين ومالك بن أنس أولى القولين في ذلك بالصواب ؛