المنحبس لا يستطيع المزاحمة على الطعام ، والأعمى لا يبصر طيب الطعام . فأنزل الله : ليس عليكم حرج في مؤاكلة المريض والأعمى والأعرج . فمعنى الكلام على تأويل هؤلاء فقال بعضهم : أنزلت هذه الآية ترخيصا : ليس عليكم أيها الناس في الأعمى حرج أن تأكلوا منه ومعه ، ولا في الأعرج حرج ، ولا في المريض حرج ، ولا في أنفسكم ، أن تأكلوا من بيوتكم ترخيصا للمسلمين في الأكل . فوجهوا معنى " على " في هذا الموضع إلى معنى " في " . وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية ترخيصا لأهل الزمانة في الأكل من بيوت من سمى الله في هذه الآية ترخيصا للمسلمين في الأكل ؛ لأن قوما كانوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن عندهم في بيوتهم ما يطعمونهم ، ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض من سمى الله في هذه الآية ، فكان أهل الزمانة يتخوفون من أن يطعموا ذلك الطعام لأنه أطعمهم غير ملكه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " لا جناح عليكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم " قال : كان رجال زمنى قال ابن عمرو في حديثه : عميان وعرجان . وقال الحرث : عمي عرج أولوا حاجة ، يستتبعهم رجال إلى بيوتهم ، فإن لم يجدوا طعاما ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم ومن عدد منهم من البيوت ، فكره ذنك المستتبعون ترخيصا للمسلمين في الأكل ، فأنزل الله في ذلك : " ليس عليكم جناح " وأحل لهم الطعام حيث وجدوه . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : كان الرجل يذهب بالأعمى والمريض والأعرج إلى بيت أبيه ، أو إلى بيت أخيه ، أو عمه ، أو خاله ، أو خالته ، فكان الزمني يتحرجون من ذلك ، يقولون : ذلك ، يقولون : إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم ، فنزلت هذه الآية رخصة لهم ترخيصا للمسلمين في الأكل . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، ترخيصا للمسلمين في الأكل نحو حديث ابن عمرو ، عن أبي عاصم قال : كان رجال زمنى قال . . . . وقال آخرون : بل نزلت ترخيصا لأهل الزمانة الذين وصفهم الله في هذه الآية أن يأكلوا من بيوت من خلفهم في بيوته من الغزاة ترخيصا للمسلمين في الأكل . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، قال : قلت للزهري ، في قوله :
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ
ما بال الأعمى ذكر هاهنا والأعرج والمريض ؟
فقال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم ، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ، يقولون : قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا ترخيصا للمسلمين في الأكل وكانوا يتحرجون من ذلك ، يقولون :
لا ندخلها وهي غيب . فأنزلت هذه الآية رخصة لهم . وقال آخرون : بل عني بقوله :
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ
في التخلف عن الجهاد في سبيل الله . قالوا : وقوله :
وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ
كلام منقطع عما قبله . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ
قال : هذا في الجهاد في سبيل الله . وفي قوله :
وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ
ترخيصا للمسلمين في الأكل إلى قوله :
أَوْ صَدِيقِكُمْ
قال : هذا شيء قد انقطع ، إنما كان هذا في الأول ، لم يكن لهم أبواب وكانت الستور مرخاة ، فربما دخل الرجل البيت وليس فيه أحد ، فربما وجد الطعام وهو جائع ، فسوغه الله أن يأكله . قال : وقد ذهب ذلك اليوم البيوت اليوم فيها أهلها ، وإذا أخرجوا أغلقوها ؛ فقد ذهب ذلك .
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية ترخيصا للمسلمين الذين كانوا يتقون مؤاكلة أهل الزمانة في مؤاكلتهم إذا شاءوا ذلك ترخيصا للمسلمين في الأكل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن مقسم ، في قوله :
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ
قال : كانوا يتقون أن يأكلوا مع الأعمى والأعرج ترخيصا للمسلمين في الأكل ، فنزلت :
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً
. واختلفوا أيضا في معنى قوله :
أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ
فقال بعضهم : ترخيصا للمسلمين في الأكل عني بذلك وكيل الرجل وقيمه ، أنه لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ،