تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
يقول تعالى ذكره :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
بالله ورسوله
مِنْكُمْ
أيها الناس ،
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
يقول : وأطاعوا الله ورسوله فيما أمراه ونهياه ؛
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
يقول : ليورثنهم الله أرض المشركين من العرب والعجم ، فيجعلهم ملوكها وساستها .
كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
يقول : كما فعل من قبلهم ذلك ببني إسرائيل ، إذ أهلك الجبابرة بالشام وجعلهم ملوكها وسكانها .
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ
يقول : وليوطئن لهم دينهم ، يعني ملتهم التي ارتضاها لهم فأمرهم بها . وقيل : وعد الله الذين آمنوا ، ثم تلقى ذلك بجواب اليمين بقوله :
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ
لأن الوعد قول يصلح فيه " أن " ، وجواب اليمين كقوله : وعدتك أن أكرمك ، ووعدتك لأكرمنك . واختلف القراء في قراءة قوله :
كَمَا اسْتَخْلَفَ
فقرأته عامة القراء :
كَمَا اسْتَخْلَفَ
بفتح التاء واللام ، بمعنى : كما استخلف الله الذين من قبلهم من الأمم . وقرأ ذلك عاصم : " كما استخلف " بضم التاء وكسر اللام ، على مذهب ما لم يسم فاعله . واختلفوا أيضا في قراءة قوله :
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ
فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار سوى عاصم :
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ
بتشديد الدال ، بمعنى : وليغيرن حالهم عما هي عليه من الخوف إلى الأمن ، والعرب تقول : قد بدل فلان : إذا غيرت حاله ولم يأت مكان فلان غيره ، وكذلك كل مغير عن حاله فهو عندهم مبدل بالتشديد . وربما قيل بالتخفيف ، وليس بالفصيح . فأما إذا جعل مكان الشيء المبدل غيره ، فذلك بالتخفيف : أبدلته فهو مبدل . وذلك كقولهم : أبدل هذا الثوب : أي جعل مكانه آخر غيره ، وقد يقال بالتشديد ؛ غير أن الفصيح من الكلام ما وصفت . وكان عاصم يقرؤه : " وليبدلنهم " بتخفيف الدال . والصواب من القراءة في ذلك : التشديد ، على المعنى الذي وصفت قبل ، لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليه ، وأن ذاك تغيير حال الخوف إلى الأمن . وأرى عاصما ذهب إلى أن الأمن لما كان خلاف الخوف وجه المعنى إلى أنه ذهب بحال الخوف وجاء بحال الأمن ، فخفف ذلك . ومن الدليل على ما قلنا من أن التخفيف إنما هو ما كان في إبدال شيء مكان آخر ، قول أبي النجم :
عزل الأمير للأمير المبدل
وقوله :
يَعْبُدُونَنِي
يقول : يخضعون لي بالطاعة ويتذللون لأمري ونهيي .
لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً
يقول : لا يشركون في عبادتهم إياي الأوثان والأصنام ولا شيئا غيرها ، بل يخلصون لي العبادة فيفردونها إلي دون كل ما عبد من شيء غيري . وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل شكاية بعض أصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه في بعض الأوقات التي كانوا فيها من العدو في خوف شديد مما هم فيه من الرعب والخوف وما يلقون بسبب ذلك من الأذى والمكروه . ذكر الرواية بذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، قوله :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
الآية ، قال : مكث النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين خائفا يدعو إلى الله سرا وعلانية ، قال : ثم أمر بالهجرة إلى المدينة . قال : فمكث بها هو وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم خائفون ، يصبحون في السلاح ويمسون فيه ، فقال رجل : ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تغبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملإ العظيم محتبيا ليس فيه حديدة " . فأنزل الله هذه الآية :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
إلى قوله :
وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ
" قال : يقول : من كفر بهذه النعمة
فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
وليس يعني الكفر بالله . قال : فأظهره الله على
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 122 | محمد بن جرير الطبري