تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
بذلك الذي ينزل من السماء من جبال فيها من برد من يشاء فيهلكه ، أو يهلك به زروعه وماله .
وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ
من خلقه ، يعني عن زروعهم وأموالهم . وقوله :
يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ
يقول : يكاد شدة ضوء برق هذا السحاب يذهب بأبصار من لاقى بصره . والسنا : مقصور ، وهو ضوء البرق . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، قوله :
يَكادُ سَنا بَرْقِهِ
قال : ضوء برقه . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله :
يَكادُ سَنا بَرْقِهِ
يقول : لمعان البرق يذهب بالأبصار . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ
قال : سناه : ضوء يذهب بالأبصار . وقرأت قراء الأمصار
يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ
بفتح الياء من " يذهب " ، سوى أبي جعفر القارئ فإنه قرأه بضم الياء : " يذهب بالأبصار " . والقراءة التي لا أختار غيرها هي فتحها ، لإجماع الحجة من القراء عليها ، وأن العرب إذا أدخلت الباء في مفعول " ذهبت " ، لم يقولوا إلا ذهب به ، دون أذهبت به . وإذا أدخلوا الألف في " أذهبت " ، لم يكادوا أن يدخلوا الباء في مفعوله ، فيقولون أذهبته ، وذهبت به . وقوله :
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
يقول يعقب الله بين الليل والنهار ويصرفهما ، إذا أذهب هذا جاء هذا ، وإذا أذهب هذا جاء هذا .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ
يقول : إن في إنشاء الله السحاب وإنزاله منه الودق ومن السماء البرد وفي تقليبه الليل والنهار ، لعبرة لمن اعتبر به وعظة لمن اتعظ به ممن له فهم وعقل ؛ لأن ذلك ينبئ ويدل على أنه له مدبرا ومصرفا ومقلبا ، لا يشبهه شيء . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ
اختلفت القراء في قراءة قوله :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
فقرأته عامة قراء الكوفة غير عاصم : " والله خالق كل دابة " . وقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وعاصم :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ
بنصب " كل " ، و " خلق " على مثال " فعل " . وهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى ، وذلك أن الإضافة في قراءة من قرأ ذلك " خالق " تدل على أن معنى ذلك المضي ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله :
خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
يعني من نطفة .
فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ
كالحيات وما أشبهها . وقيل : إنما قيل :
فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ
والمشي لا يكون على البطن ؛ لأن المشي إنما يكون لما له قوائم ، على التشبيه ، أنه لما خالط ما له قوائم ما لا قوائم له ، جاز ، كما قال :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ
كالطير ،
وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ
كالبهائم . فإن قال قائل : فكيف قيل : فمنهم من يمشي ، و " من " للناس ، وكل هذه الأجناس أو أكثرها لغيرهم ؟ قيل : لأنه فريق ما هو داخل في قوله :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ
وكان داخلا في ذلك الناس وغيرهم ، ثم قال :
فَمِنْهُمْ
لاجتماع الناس والبهائم وغيرهم في ذلك واختلاطهم ، فكنى عن جميعهم كنايته عن بني آدم ، ثم فسرهم ب " من " ، إذ كان قد كنى عنهم كناية بني آدم خاصة .
يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ
يقول : حدث الله ما يشاء من الخلق .
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ
يقول : إن الله على إحداث ذلك وخلقه وخلق ما يشاء من الأشياء غيره ، ذو قدرة لا يتعذر عليه شيء أراد . القول في تأويل قوله تعالى :
لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ . . .
صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
يقول تعالى ذكره : لقد أنزلنا أيها الناس علامات واضحات ، دالات على طريق الحق ،
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 119 | محمد بن جرير الطبري