تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
في دخوله في الكلام ، نظير دخول الظن فيما هو يقين من الكلام ، كقوله :
وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ
ونحو ذلك . والثالث : أن يكون قد رآها بعد بطء وجهد ، كما يقول القائل لآخر : ما كدت أراك من الظلمة ، وقد رآه ، ولكن بعد إياس وشدة . وهذا القول الثالث أظهر معاني الكلمة من جهة ما تستعمل العرب " أكاد " في كلامها . والقول الآخر الذي قلنا إنه يتوجه إلى أنه معنى لم يرها ، قول أوضح من جهة التفسير ، وهو أخفى معانيه . وإنما حسن ذلك في هذا الموضع ، أعني أن يقول : لم يكد يراها مع شدة الظلمة التي ذكر ؛ لأن ذلك مثل لا خبر عن كائن كان .
مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً
يقول : من لم يرزقه الله إيمانا وهدى من الضلالة ومعرفة بكتابه ،
فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
يقول : فما له من إيمان وهدى ومعرفة بكتابه . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ألم تنظر يا محمد بعين قلبك فتعلم أن الله يصلي له من في السماوات والأرض من ملك وإنس وجن .
وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ
في الهواء أيضا تسبح له .
كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
والتسبيح عندك صلاة ، فيقال : قيل : إن الصلاة لبني آدم والتسبيح لغيرهم من الخلق ، ولذلك فصل فيما بين ذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال : أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثني عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
قال : والصلاة للإنسان ، والتسبيح لما سوى ذلك من الخلق . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
قال : صلاته للناس ، وتسبيحه : عامة لكل شيء . ويتوجه قوله :
كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
لوجوه : أحدها أن تكون الهاء التي في قوله :
صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
من ذكر " كل " ، فيكون تأويل الكلام : كل مصل ومسبح منهم قد علم الله صلاته وتسبيحه ، ويكون " الكل " حينئذ مرتفعا بالعائد من ذكره في قوله :
كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
وهو الهاء التي في الصلاة . والوجه الآخر : أن تكون الهاء في الصلاة والتسبيح أيضا ل " الكل " ، ويكون " الكل " مرتفعا بالعائد من ذكره عليه في
عَلِمَ
ويكون
عَلِمَ
فعلا ل " الكل " ، فيكون تأويل الكلام حينئذ قد علم كل مصل ومسبح منهم صلاة نفسه وتسبيحه الذي كلفه وألزمه . والوجه الآخر أن تكون الهاء في الصلاة والتسبيح من ذكر الله ، والعلم لي " الكل " ، فيكون تأويل الكلام حينئذ قد علم كل مسبح ومصل صلاة الله التي كلفه إياها ، وتسبيحه . وأظهر هذه المعاني الثلاثة على هذا الكلام المعنى الأول ، وهو أن يكون المعنى : كل مصل منهم ومسبح ، قد علم الله صلاته وتسبيحه . وقوله :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ
يقول تعالى ذكره : والله ذو علم بما يفعل كل مصل ومسبح منهم ، لا يخفى عليه شيء من أفعالهم ، طاعتها ومعصيتها ، محيط بذلك كله ، وهو مجازيهم على ذلك كله . وقوله :
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يقول جل ثناؤه : ولله سلطان السماوات والأرض وملكها ، دون كل من هو دونه من