تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
سلطان وملك ، فإياه فارهبوا أيها الناس ، وإليه فارغبوا لا إلى غيره ، فإن بيده خزائن السماوات والأرض ، لا يخشى بعطاياكم منها فقرا .
وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
يقول وأنتم إليه بعد وفاتكم ، مصيركم ومعادكم ، فيوفيكم أجور أعمالكم التي عملتموها في الدنيا ، فأحسنوا عبادته ، واجتهدوا في طاعته ، وقدموا لأنفسكم الصالحات من الأعمال . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً . . .
فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ . . .
لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :
أَ لَمْ تَرَ
يا محمد
أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي
يعني يسوق
سَحاباً
حيث يريد .
ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ
يقول ثم يؤلف بين السحاب . وأضاف " بين " إلى السحاب ، ولم يذكر مع غيره ، و " بين " لا تكون مضافة إلا إلى جماعة أو اثنين ، لأن السحاب في معنى جمع ، واحده سحابة ، كما يجمع النخلة : نخل ، والتمرة تمر ، فهو نظير قول قائل : جلس فلان بين النخل . وتأليف الله السحاب جمعه بين متفرقها . وقوله :
ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً
يقول : ثم يجعل السحاب الذي يزجيه ويؤلف بعضه إلى بعض
رُكاماً
يعني متراكما بعضه على بعض . وقد : حدثنا عبد الحميد بن بيان ، قال : أخبرنا خالد ، قال : ثنا مطر ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عبيد بن عمير الليثي ، قال : الرياح أربع : يبعث الله الريح الأولى فتقم الأرض قما ، ثم يبعث الثانية فتنشئ سحابا ، ثم يبعث الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاما ، ثم يبعث الرابعة فتمطره . وقوله :
فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ
يقول : فترى المطر يخرج من بين السحاب ، وهو الودق ، قال : الشاعر :
فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها
والهاء في قوله :
مِنْ خِلالِهِ
من ذكر السحاب ، والخلال : جمع خلل . وذكر عن ابن عباس وجماعة أنهم كانوا يقرءون ذلك : " من خلله " . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا حرمي بن عمارة ، قال : ثنا شعبة ، قال : ثنا قتادة ، عن الضحاك بن مزاحم : أنه قرأ هذا الحرف :
فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ
" من خلله " . حدثنا ابن المثنى قال : ثنا شعبة ، قال : أخبرني عمارة ، عن رجل ، عن ابن عباس ، أنه قرأ هذا الحرف :
فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ
" من خلله " . حدثنا أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا حجاج ، عن هارون ، قال : أخبرني عمارة بن أبي حفصة ، عن رجل ، عن ابن عباس ، أنه قرأها : " من خلله " بفتح الخاء ، من غير ألف . قال هارون : فذكرت ذلك لأبي عمرو ، فقال : إنها لحسنة ، ولكن خلاله أعم . وأما قراء الأمصار ، فإنهم على القراءة الأخرى :
مِنْ خِلالِهِ
وهي التي نختار ، لإجماع الحجة من القراء عليها . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ
قال : الودق القطر ، والخلال : السحاب . وقوله :
وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ
قيل في ذلك قولان : أحدهما : أن معناه : وأن الله ينزل من السماء من جبال في السماء من برد ، مخلوقة هنا لك خلقه . كأن الجبال على هذا القول ، هي من برد ، كما يقال : جبال من طين . والقول الآخر أن الله ينزل من السماء قدر جبال وأمثال جبال من برد إلى الأرض ، كما يقال : عندي بيتان تبنا . والمعنى قدر بيتين من التبن ، والبيتان ليسا من التبن . وقوله :
فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ
يقول : فيعذب
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 118 | محمد بن جرير الطبري