تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
من عذاب اللّه ( حدثني ) يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله ويدعوننا رغبا ورهبا قال خوفا وطمعا قال وليس ينبغي لأحدهما أن يفارق الآخر واختلفت القراء في قراءة ذلك فقرأته عامة قراء الأمصار رغبا ورهبا بفتح الغين والهاء من الرغب والرهب واختلف عن الأعمش في ذلك فرويت عنه الموافقة في ذلك للقراء وروى عنه أنه قرأها رغبا ورهبا بضم الراء في الحرفين وتسكين الغين والهاء والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قراء الأمصار وذلك الفتح في الحرفين كليهما وقوله وكانوا لنا خاشعين يقول وكانوا لنا متواضعين متذللين ولا يستكبرون عن عبادتنا ودعائنا القول في تأويل قوله تعالى
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم واذكر التي أحصنت فرجها يعنى مريم بنت عمران ويعنى بقوله أحصنت حفظت ومنعت فرجها مما حرم اللّه عليها اباحته فيه واختلف في الفرج الذي عنى اللّه جل ثناؤه أنها أحصنته فقال بعضهم عنى بذلك فرج نفسها أنها حفظته من الفاحشة وقال آخرون عنى بذلك جيب درعها أنها منعت جبرئيل منه قبل أن تعلم أنه رسول ربها وقبل ان تثبته معرفة قالوا والذي يدل على ذلك قوله فنفخنا فيها ويعقب ذلك قوله والتي أحصنت فرجها قالوا وكان معلوما بذلك أن معنى الكلام والتي أحصنت جيبها فنفخنا فيها من روحنا قال أبو جعفر والذي هو أولى القولين عندنا بتأويل ذلك قول من قال أحصنت فرجها من الفاحشة لان ذلك هو الأغلب من معنييه عليه والأظهر في ظاهر الكلام فنفخنا فيها من روحنا يقول فنفخنا في جيب درعها من روحنا وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في معنى قوله فنفخنا فيها في غير هذا الموضع والأولى بالصواب من القول في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وقوله وجعلناها وابنها آية للعالمين يقول وجعلنا مريم وابنها عبرة لعالمى زمانهما يعتبرون بهما ويتفكرون في أمرهما فيعلمون عظيم سلطاننا وقدرتنا على ما نشاء وقيل آية ولم يقل آيتين وقد ذكر آيتين لان معنى الكلام جعلناهما علما لنا وحجة فكل واحدة منهما في معنى الدلالة على اللّه وعلى عظيم قدرته يقوم مقام الآخر إذ كان أمرهما في الدلالة على اللّه واحدا القول في تأويل قوله تعالى
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ
يقول تعالى ذكره ان هذه ملتكم ملة واحدة وأنا ربكم أيها الناس فاعبدون دون الآلهة والأوثان وسائر ما تعبدون من دونى وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك ( حدثني ) على قال ثنا عبد اللّه قال ثنى معاوية عن علي عن ابن عباس قوله أمتكم أمة واحدة يقول دينكم دين واحد ( حدثنا ) القاسم قال ثنا الحسين قال ثنى حجاج عن ابن جريج قال قال مجاهد في قوله ان هذه أمتكم أمة واحدة قال دينكم دين واحد ونصبت الأمة الثانية على القطع وبالنصب قرأه جماعة قراء الأمصار وهو الصواب عندنا لان الأمة الثانية نكرة والأولى معرفة وإذا كان ذلك كذلك وكان الخبر قبل مجىء النكرة مستغنيا عنها كان وجه الكلام النصب هذا
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 67 | محمد بن جرير الطبري