وقوله :
فَاعْبُدْهُ
يقول : فالزم طاعته ، وذل لأمره ونهيه
وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ
يقول : واصبر نفسك على النفوذ لأمره ونهيه ، والعمل بطاعته ، تفز برضاه عنك ، فإنه الإله الذي لا مثل له ولا عدل ولا شبيه في جوده وكرمه وفضله .
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
يقول : هل تعلم يا محمد لربك هذا الذي أمرناك بعبادته ، والصبر على طاعته مثلا في كرمه وجوده ، فتعبده رجاء فضله وطوله دونه ؟ كلا ، ما ذلك بموجود . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
يقول : هل تعلم للرب مثلا أو شبيها . حدثني سعيد بن عثمان التنوخي ، قال : ثنا إبراهيم بن مهدي ، عن عباد بن عوام ، عن شعبة ، عن الحسن بن عمارة ، عن رجل ، عن ابن عباس ، في قوله
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
قال : شبيها . حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي ، قال : لنا أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن مجاهد في هذه الآية
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
قال : هل تعلم له شبيها ، هل تعلم له مثلا تبارك وتعالى . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال :
ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
لا سمي لله ولا عدل له ، كل خلقه يقر له ، ويعترف أنه خالقه ، ويعرف ذلك ، تم يقرأ هذه الآية :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله :
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
قال : يقول : لا شريك له ولا مثل .
القول في تأويل قوله تعالى :
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَ وَلا يَذْكُرُ
يقول تعالى ذكره :
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ
الكافر الذي لا يصدق بالبعث بعد الموت : أخرج حيا ، فابعث بعد الممات وبعد البلاء والفناء إنكارا منه ذلك . يقول الله تعالى ذكره :
أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ
المتعجب من ذلك المنكر قدرة الله على إحيائه بعد فنائه ، وإيجاده بعد عدمه في خلق نفسه ، أن الله خلقه من قبل مماته ، فأنشأه بشرا سويا من غير شيء
وَلَمْ يَكُ
من قبل إنشائه إياه
شَيْئاً
فيعتبر بذلك ويعلم أن من أنشأه من غير شيء لا يعجز عن إحيائه بعد مماته ، وإيجاده بعد فنائه . وقد اختلفت القراء في قراءة قوله
أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ
فقرأه بعض قراء المدينة والكوفة :
أَ وَلا يَذْكُرُ
بتخفيف الذال ، وقد قرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة والحجاز : " أو لا يذكر " بتشديد الذال والكاف ، بمعنى : أو لا يتذكر ، والتشديد أعجب إلي ، وإن كانت الأخرى جائزة ، لأن معنى ذلك : أو لا يذكر فيعتبر . القول في تأويل قوله تعالى :
فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فوربك يا محمد لنحشرن هؤلاء القائلين : أإذا متنا لسوف نخرج أحياء يوم القيامة من قبورهم ، مقرنين بأوليائهم من الشياطين
ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا
والجثي : جمع الجائي . كما : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله :
ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا
يعني : القعود ، وهو مثل قوله :
وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً
القول في تأويل قوله تعالي :
ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا
يقول تعالى ذكره ، ثم لنأخذن من كل جماعة