من بني إسرائيل وقوع بأسه بهم ونزوله بمعصيتهم إياه إن هم عصوه ، وخوفهم وجوبه لهم ، فسواء قرئ ذلك بالوقوع أو بالوجوب ، لأنهم كانوا قد خوفوا المعنيين كليهما . القول في تأويل قوله تعالى :
وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى
يقول تعالى ذكره : ومن يجب عليه غضبي ، فينزل به . فقد هوى ، يقول فقد تردى فشقي ، كما : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
فَقَدْ هَوى
يقول : فقد شقي . وقوله :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ
يقول : وإني لذو غفر لمن تاب من شركه ، فرجع منه إلى الإيمان لي وآمن ، يقول : وأخلص لي الألوهة ، ولم يشرك في عبادته إياي غيري .
وَعَمِلَ صالِحاً
يقول : وأدى فرائضي التي افترضتها عليه ، واجتنب معاصي .
ثُمَّ اهْتَدى
يقول : ثم لزم ذلك ، فاستقام ولم يضيع شيئا منه . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثنا علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ
من الشرك
وَآمَنَ
يقول : وحد الله
وَعَمِلَ صالِحاً
يقول : أدى فرائضي . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ
من ذنبه
وَآمَنَ
به
وَعَمِلَ صالِحاً
فيما بينه وبين الله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ
من الشرك
وَآمَنَ
يقول : وأخلص لله ، وعمل في إخلاصه . واختلفوا في معنى قوله :
ثُمَّ اهْتَدى
فقال بعضهم : معناه : لم يشكك في إيمانه . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
ثُمَّ اهْتَدى
يقول : لم يشكك . وقال آخرون : معنى ذلك : ثم لزم الإيمان والعمل الصالح . ذكر قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
ثُمَّ اهْتَدى
يقول : ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ثم استقام . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس
ثُمَّ اهْتَدى
قال : أخذ بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم . وقال آخرون :
بل معناه : أصاب العمل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى
قال : أصاب العمل . وقال آخرون : معنى ذلك : عرف أمر مثيبه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن الكلبي
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ
من الذنب
وَآمَنَ
من الشرك
وَعَمِلَ صالِحاً
أدى ما افترضت عليه
ثُمَّ اهْتَدى
عرف مثيبه إن خيرا فخيرا ، وإن شرا فشرا . وقال آخرون بما : حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري ، قال : أخبرنا عمر بن شاكر ، قال : سمعت ثابتا البناني يقول في قوله :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى
قال : إلى ولاية أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو جعفر : إنما اخترنا القول الذي اخترنا في ذلك ، من أجل أن الاهتداء هو الاستقامة على هدى ، ولا معنى للاستقامة عليه إلا وقد جمعه الإيمان والعمل الصالح والتوبة ، فمن فعل ذلك وثبت عليه ، فلا شك في اهتدائه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى
يقول تعالى ذكره : وما أعجلك ؟
وأي شيء أعجلك عن قومك يا موسى ، فتقدمتهم وخلفتهم وراءك ، ولم تكن معهم ؟
قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي
يقول : قومي على أثري يلحقون بي .
وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
يقول : وعجلت أنا فسبقتهم رب ، كيما ترضى عني . وإنما قال الله تعالى ذكره لموسى : ما أعجلك عن قومك ؟ لأنه جل ثناؤه ، فيما بلغنا ، حين نجاه وبني إسرائيل من فرعون وقومه ، وقطع بهم البحر ، وعدهم جانب الطور الأيمن ، فتعجل موسى إلى ربه ، وأقام هارون في بني إسرائيل ، يسير بهم على أثر موسى . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا