ما جاء في هذا الأمر الجواب مع " لا " . وقرأ ذلك الأعمش وحمزة " لا تخف دركا " فجزما لا تخاف على الجزاء ، ورفعا
وَلا تَخْشى
على الاستئناف ، كما قال جل ثناؤه :
يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ
فاستأنف بثم ، ولو نوى بقوله :
وَلا تَخْشى
الجزم ، وفيه الياء ، كان جائزا ، كما قال الراجز :
هزي إليك الجذع يجنيك الجنى
وأعجب القراءتين إلي أن أقرأ بها :
لا تَخافُ
على وجه الرفع ، لأن ذلك أفصح اللغتين ، وإن كانت الأخرى جائزة . وكان بعض نحويي البصرة يقول : معنى قوله :
لا تَخافُ دَرَكاً
اضرب لهم طريقا لا تخاف فيه دركا ، قال : وحذف فيه ، كما تقول : زيد أكرمت ، وأنت تريد : أكرمته ، وكما تقول :
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً
أي لا تجزى فيه . وأما نحويو الكوفة فإنهم ينكرون حذف فيه إلا في المواقيت ، لأنه يصلح فيها أن يقال : قمت اليوم وفي اليوم ، ولا يجيزون ذلك في الأسماء . القول في تأويل قوله تعالى :
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ . . .
وَما هَدى
يقول تعالى ذكره : فسرى موسى ببني إسرائيل إذا أوحينا إليه أن أسر بهم ، فأتبعهم فرعون بجنوده حين قطعوا البحر ، فغشي فرعون وجنده من اليم ما غشيهم ، فغرقوا جميعا .
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى
يقول جل ثناؤه : وجاوز فرعون بقومه عن سواء السبيل ، وأخذ بهم على غير استقامة ، وذلك أنه سلك بهم طريق أهل النار ، بأمرهم بالكفر بالله ، وتكذيب رسله
وَما هَدى
يقول : وما سلك بهم الطريق المستقيم ، وذلك أنه نهاهم عن اتباع رسول الله موسى ، والتصديق به ، فأطاعوه ، فلم يهدهم بأمره إياهم بذلك ، ولم يهتدوا باتباعهم إياه . القول في تأويل قوله تعالى :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ
يقول تعالى ذكره : فلما نجا موسى بقومه من البحر ، وغشي فرعون قومه من اليم ما غشيهم ، قلنا لقوم موسى :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ
فرعون
وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى
وقد ذكرنا كيف كانت مواعدة الله موسى وقومه جانب الطور الأيمن . وقد بينا المن والسلوى باختلاف المختلفين فيهما ، وذكرنا الشواهد على الصواب من القول في ذلك فيما مضى قبل ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . واختلفت القراء في قراءة قوله :
قَدْ أَنْجَيْناكُمْ
فكانت عامة قراء المدينة والبصرة يقرءونه :
قَدْ أَنْجَيْناكُمْ
بالنون والألف وسائر الحروف الأخر معه كذلك ، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : " قد أنجيتكم " بالتاء ، وكذلك سائر الحروف الأخر ، إلا قوله :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى
فإنهم وافقوا الآخرين في ذلك وقرءوه بالنون والألف . والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان باتفاق المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ ذلك فمصيب . وقوله :
كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
يقول تعالى ذكره لهم : كلوا يا بني إسرائيل من شهيات رزقنا الذي رزقناكم ، وحلاله الذي طيبناه لكم
وَلا تَطْغَوْا فِيهِ
يقول : ولا تعتدوا فيه ، ولا يظلم فيه بعضكم بعضا ، كما : حدثنا علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قول :
وَلا تَطْغَوْا فِيهِ
يقول : ولا تظلموا . وقوله :
فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي
يقول :
فينزل عليكم عقوبتي ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد عن قتادة ، قوله :
فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي
يقول : فينزل عليكم غضبي . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والمدينة والبصرة والكوفة
فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ
بكسر الحاء
وَمَنْ يَحْلِلْ
بكسر اللام . ووجهوا معناه إلى : فيجب عليكم غضبي . وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة : " فيحل عليكم " بضم الحاء ، ووجهوا تأويله إلى ما ذكرنا عن قتادة من أنه : فيقع وينزل عليكم غضبي . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء ، وقد حذر الله الذين قيل لهم هذا القول