وجه الدعاء . وإذا قرئ ذلك كذلك جزم أشدد وأشرك على الجزاء ، أو جواب الدعاء ، وذلك قراءة لا أرى القراءة بها ، وإن كان لها وجه مفهوم ، لخلافها قراءة الحجة التي لا يجوز خلافها . القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى . . .
ما يُوحى
يقول تعالى ذكره : قال الله لموسى صلى الله عليه وسلم : قد أعطيت ما سألت يا موسى ربك من شرحه صدرك وتيسيره لك أمرك ، وحل عقدة لسانك ، وتصيير أخيك هارون وزيرا لك ، وشد أزرك به ، وإشراكه في الرسالة معك .
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى
يقول تعالى ذكره : ولقد تطولنا عليك يا موسى قبل هذه المرة مرة أخرى ، وذلك حين أوحينا إلى أمك ، إذ ولدتك في العام الذي كان فرعون يقتل كل مولود ذكر من قومك ما أوحينا إليها ؛ ثم فسر تعالى ذكره ما أوحى إلى أمه ، فقال : هو أن اقذفيه في التابوت ؛ فأن في موضع نصب ردا على " ما " التي في قوله :
ما يُوحى
وترجمة عنها . القول في تأويل قوله تعالى :
أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ
يقول تعالى ذكره : ولقد مننا عليك يا موسى مرة أخرى حين أوحينا إلى أمك ، أن اقذفي ابنك موسى حين ولدتك في التابوت
فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ
يعني بأليم : النيل
فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ
يقول : فاقذفيه في اليم ، يلقه اليم بالساحل ، وهو جزاء أخرج مخرج الأمر ، كأن اليم هو المأمور ، كما قال جل ثناؤه :
اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ
يعني : اتبعوا سبيلنا نحمل عنكم خطاياكم ، ففعلت ذلك أمه به فألقاه اليم بمشرعه آل فرعون ، كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لما ولدت موسى أمه أرضعته ، حتى إذا أمر فرعون بقتل الولدان من سنته تلك عمدت إليه ، فصنعت به ما أمرها الله تعالى ، جعلته في تابوت صغير ، ومهدت له فيه ، ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه ، وأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة ، فبينا هو جالس ، إذ مر النيل بالتابوت فقذف به وآسية ابنة مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه ، فقال : إن هذا لشيء في البحر ، فأتوني به ، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به ، ففتح التابوت فإذا فيه صبي في مهده ، فألقى الله عليه محبته ، وعطف عليه نفسه . وعني جل ثناؤه بقوله :
يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ
فرعون هو العدو ، كان لله ولموسى . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله :
فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ
وهو البحر ، وهو النيل .
واختلف أهل التأويل في معنى المحبة التي قال الله جل ، ثناؤه
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي
فقال بعضهم : عنى بذلك أنه حببه إلى عباده . ذكر من قال ذلك : حدثني الحسين بن علي الصدائي والعباس بن محمد الدوري ، قالا : ثنا حسين الجعفي عن موسى بن قبس الحضرمي ، عن سلمة بن كهيل ، في قول الله :
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي
قال عباس : حببتك إلى عبادي ؛ وقال الصدائي : حببتك إلى خلقي . وقال آخرون :