فجمع اللغتين كلتيهما في معنى واحد . فإذا كان ذلك كذلك ، فبأية القراءتين قرأ القارئ فمصيب ، غير أن أعجب القراءتين إلي قراءة ضم النون لما ذكرت من أن أكثر الكلامين عند العرب فيما كان دائما من السقي أسقى بالألف فهو يسقي ، وما أسقى الله عباده من بطون الأنعام فدائم لهم غير منقطع عنهم . وأما قوله : مِمَّا فِي بُطُونِهِ وقد ذكر الأنعام قبل ذلك ، وهي جمع والهاء في البطون موحدة ، فإن لأهل العربية في ذلك أقوالا ، فكان بعض نحويي الكوفة يقول : النعم والأنعام شيء واحد ، لأنهما جميعا جمعان ، فرد الكلام في قوله : مِمَّا فِي بُطُونِهِ إلى التذكير مرادا به معنى النعم ، إذ كان يؤدي عن الأنعام ؛ ويستشهد لقول ذلك برجز بعض الأعراب :
فذكر النعم . وكان غيره منهم يقول : إنما قال : مِمَّا فِي بُطُونِهِ لأنه أراد : مما في بطون ما ذكرنا ؛ وينشد في ذلك رجزا لبعضهم :
ويقول : كل ذلك على معنى هذا الشيء وهذا الشخص والسواد ، وما أشبه ذلك . ويقول : من ذلك قول الله تعالى ذكره : فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي بمعنى : هذا الشيء الطالع ، وقوله : كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ولم يقل ذكرها ، لأن معناه : فمن شاء ذكر هذا الشيء ، وقوله : وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ ولم يقل " جاءت " . وكان بعض البصريين يقول : قيل : مِمَّا فِي بُطُونِهِ لأن المعنى : نسقيكم من أي الأنعام كان في بطونه . ويقول : فيه اللبن مضمر ، يعني أنه يسقي من أيها كان ذا لبن ، وذلك أنه ليس لكلها لبن ، وإنما يسقى من ذوات اللبن . والقولان الأولان أصح مخرجا على كلام العرب من هذا القول الثالث . وقوله : مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً يقول : نسقيكم لبنا ، نخرجه لكم من بين فرث ودم خالصا ؛ يقول : خلص من مخالطة الدم والفرث فلم يختلطا به . سائِغاً لِلشَّارِبِينَ يقول : يسوغ لمن شربه فلا يغص به كما يغص الغاص ببعض ما يأكله من الأطعمة . وقيل : إنه لم يغص أحد باللبن قط . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً المطاعم يقول تعالى ذكره : ولكم أيضا أيها الناس عبرة فيما