تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبدة وأبو معاوية وأبو خالد ، عن جويبر ، عن الضحاك :
وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ
قال : متروكون في النار . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن القاسم ، عن مجاهد :
مُفْرَطُونَ
قال : منسيون . حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد ، قال : ثني أبي ، عن الحسين ، عن قتادة :
وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ
يقول : مضاعون . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا بدل ، قال : ثنا عباد بن راشد ، قال : سمعت داود بن أبي هند ، في قول الله :
وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ
قال : منسيون في النار . وقال آخرون : معنى ذلك معجلون إلى النار مقدمون إليها . وذهبوا في ذلك إلى قول العرب : أفرطنا فلانا في طلب الماء ، إذا قدموه لإصلاح الدلاء والأرشية وتسوية ما يحتاجون إليه عند ورودهم عليه فهو مفرط . فأما المتقدم نفسه فهو فارط ، يقال : قد فرط فلان أصحابه يفرطهم فرطا وفروطا : إذا تقدمهم . وجمع فارط . فراط ؛ ومنه قول القطامي :
واستعجلونا وكانوا من صحابتنا * كما تعجل فراط لوراد
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنا فرطكم على الحوض " : أي متقدمكم إليه وسابقكم " حتى تردوه " . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ
يقول : معجلون إلى النار . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ
قال : قد أفرطوا في النار ؛ أي معجلون . وقال آخرون . معنى ذلك : مبعدون في النار . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن أشعث السمان ، عن الربيع ، عن أبي بشر ، عن سعيد :
وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ
قال : مخسئون مبعدون . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي اخترناه ، وذلك أن الإفراط الذي هو بمعنى التقديم ، إنما يقال فيمن قدم مقدما لإصلاح ما يقدم إليه إلى وقت ورود من قدمه عليه ، وليس بمقدم من قدم إلى النار من أهلها لإصلاح شيء فيها لوارد يرد عليها فيها فيوافقه مصلحا ، وإنما تقدم من قدم إليها لعذاب يعجل له . فإذا كان ذلك معنى الإفراط الذي هو تأويل التعجيل ففسد أن يكون له وجه في الصحة ، صح المعنى الآخر وهو الإفراط الذي بمعنى التخليف والترك ؛ وذلك أن يحكى عن العرب : ما أفرطت ورائي أحدا : أي ما خلفته ؛ وما فرطته : أي لم أخلفه . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المصرين الكوفة والبصرة :
وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ
بتخفيف الراء وفتحها ، على معنى ما لم يسم فاعله من أفرط فهو مفرط . وقد بينت اختلاف قراءة ذلك كذلك في التأويل . وقرأه أبو جعفر القارئ . " وأنهم مفرطون " بكسر الراء وتشديدها ، بتأويل : أنهم مفرطون في أداء الواجب الذي كان لله عليهم في الدنيا ، من طاعته وحقوقه ، مضيعو ذلك ، من قول الله تعالى :
يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
وقرأ نافع بن أبي نعيم : " وأنهم مفرطون " بكسر الراء وتخفيفها . حدثني بذلك يونس ، عن ورش عنه نافع بن أبي نعيم . بتأويل : أنهم مفرطون في الذنوب والمعاصي ، مسرفون على أنفسهم مكثرون منها ، من قولهم : أفرط فلان في القول : إذا تجاوز حده ، وأسرف فيه . والذي هو أولى القراءات في ذلك بالصواب قراءة الذين ذكرنا قراءتهم من أهل العراق لموافقتها تأويل أهل التأويل الذي ذكرنا قبل ، وخروج القراءات الأخرى عن تأويلهم . القول في تأويل قوله تعالى :
تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 87 | محمد بن جرير الطبري