تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
فَهُوَ وَلِيُّهُمُ
يقول تعالى ذكره مقسما بنفسه عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : والله يا محمد لقد أرسلنا رسلا من قبلك إلى أممها بمثل ما أرسلناك إلى أمتك من الدعاء إلى التوحيد لله وإخلاص العبادة له والإذعان له بالطاعة وخلع الأنداد والآلهة .
فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ
يقول : فحسن لهم الشيطان ما كانوا عليه من الكفر بالله وعبادة الأوثان مقيمين ، حتى كذبوا رسلهم ، وردوا عليهم ما جاءوهم به من عند ربهم .
فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ
يقول : فالشيطان ناصرهم اليوم في الدنيا ، وبئس الناصر .
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
في الآخرة عند ورودهم على ربهم ، فلا ينفعهم حينئذ ولاية الشيطان ، ولا هي نفعتهم في الدنيا بل ضرتهم فيها وهي لهم في الآخرة أضر . القول في تأويل قوله تعالى :
وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ
يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : وما أنزلنا يا محمد عليك كتابنا وبعثناك رسولا إلى خلقنا إلا لتبين لهم ما اختلفوا فيه من دين الله ، فتعرفهم الصواب منه والحق من الباطل ، وتقيم عليهم بالصواب منه حجة الله الذي بعثك بها . وقوله :
وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
يقول : وهدى بيانا من الضلالة ، يعني بذلك الكتاب ،
وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
به ، فيصدقون بما فيه ، ويقرون بما تضمن من أمر الله ونهيه ، ويعملون به . وعطف بالهدى على موضع " ليبين " ، لان موضعها نصب . وإنما معنى الكلام : وما أنزلنا عليك الكتاب إلا بيانا للناس فيما اختلفوا فيه هدى ورحمة . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
يقول تعالى ذكره منبه خلقه على حججه عليهم في توحيده ، وأنه لا تنبغي الألوهة إلا له ، ولا تصلح العبادة لشيء سواه : أيها الناس معبودكم الذي له العبادة دون كل شيء ،
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
يعني : مطرا ، يقول : فأنبت بما أنزل من ذلك الماء من السماء الأرض الميتة التي لا زرع بها ولا عشب ولا نبت ؛
بَعْدَ مَوْتِها
بعد ما هي ميتة لا شيء فيها .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً
يقول تعالى ذكره : إن في إحيائنا الأرض بعد موتها بما أنزلنا من السماء من ماء لدليلا واضحا وحجة قاطعة عذر من فكر فيه
لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
يقول : لقوم يسمعون هذا القول فيتدبرونه ويعقلونه ويطيعون الله بما دلهم عليه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ . . .
سائِغاً لِلشَّارِبِينَ
المطاعم يقول تعالى ذكره : وإن لكم أيها الناس لعظة في الأنعام التي نسقيكم مما في بطونه . واختلفت القراء في قراءة قوله :
نُسْقِيكُمْ
فقرأته عامة أهل مكة والعراق والكوفة والبصرة ، سوى عاصم ، ومن أهل المدينة أبو جعفر :
نُسْقِيكُمْ
بضم النون . بمعنى : أنه أسقاهم شرابا دائما . وكان الكسائي يقول : العرب تقول : أسقيناهم نهرا وأسقيناهم لبنا : إذا جعلته شربا دائما ، فإذا أرادوا أنهم أعطوه شربة قالوا : سقيناهم فنحن نسقيهم بغير ألف . وقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة سوى أبي جعفر ، ومن أهل العراق عاصم : " نسقيكم " بفتح النون من سقاه الله فهو يسقيه . والعرب قد تدخل الألف فيما كان من السقي غير دائم وتنزعها فيما كان دائما ، وإن كان أشهر الكلامين عندها ما قال الكسائي ، يدل على ما قلنا من ذلك ، قول لبيد في صفة سحاب :