تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤

من كراهته له وَهُوَ كَظِيمٌ يقول قد كظم الحزن ، وامتلأ غما بولادته له ، فهو لا يظهر ذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ثم قال : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ إلى آخر الآية ، يقول : يجعلون لله البنات ترضونهن لي ولا ترضونهن لأنفسكم ؛ وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا ولد للرجل منهم جارية أمسكها على هون ، أو دسها في التراب وهي حية . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ وهذا صنيع مشركي العرب ، أخبرهم الله تعالى ذكره بخبث صنيعهم فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له ، وقضاء الله خير من قضاء المرء لنفسه ، ولعمري ما يدري أنه خير ، لرب جارية خير لأهلها من غلام . وإنما أخبركم الله بصنيعهم لتجتنبوه وتنتهوا عنه ، وكان أحدهم يغذو كلبه ويئد ابنته . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : وَهُوَ كَظِيمٌ قال : حزين . حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك ، في قوله : وَهُوَ كَظِيمٌ قال : الكظيم : الكميد . وقد بينا ذلك كظيم بشواهده في غير هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ يقول تعالى ذكره : يتوارى هذا المبشر بولادة الأنثى من الولد له من القوم ، فيغيب عن أبصارهم ؛ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ يعني : من مساءته إياه ممثلا بين أن يمسكه على هون : أي على هوان ، وكذلك ذلك في لغة قريش فيما ذكر لي ، يقولون للهوان : الهون ؛ ومنه قول الحطيئة :

فلما خشيت الهون والعير ممسك * على رغمه ما أثبت الحبل حافره

وبعض بني تميم جعل الهون مصدرا للشيء الهين . ذكر الكسائي أنه سمعهم يقولون : إن كنت لقليل هون المئونة منذ اليوم ؛ قال : وسمعت : الهوان في مثل هذا المعنى ، سمعت منهم قائلا يقول لبعير له : ما به بأس غير هوانه ، يعني خفيف الثمن ، فإذا قالوا : هو يمشي على هونه ، لم يقولوه إلا بفتح الهاء ، كما قال تعالى : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ يقول : يدفنه حيا في التراب فيئده . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ يئد ابنته . وقوله : أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ يقول : ألا ساء الحكم الذي يحكم هؤلاء المشركون ؛ وذلك أن جعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم ، وجعلوا لما لا ينفعهم ولا يضرهم شركا فيما رزقهم الله ، وعبدوا غير من خلقهم وأنعم عليهم . القول في تأويل قوله تعالى : لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وهذا خبر من الله جل ثناؤه أن قوله : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ، والآية التي بعدها مثل ضربه الله لهؤلاء المشركين الذين جعلوا لله البنات ، فبين بقوله : لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ أنه مثل ، وعنى بقوله جل ثناؤه : لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ للذين لا يصدقون بالمعاد والثواب والعقاب من المشركين مَثَلُ السَّوْءِ وهو القبيح من المثل ، وما يسوء من ضرب له ذلك المثل . وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى يقول : ولله المثل الأعلى ، وهو الأفضل