ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :
ادْعُ
يا محمد من أرسلك إليه ربك بالدعاء إلى طاعته .
إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ
يقول : إلى شريعة ربك التي شرعها لخلقه ، وهو الإسلام .
بِالْحِكْمَةِ
يقول بوحي الله الذي يوحيه إليك وكتابه الذي ينزله عليك .
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
يقول : وبالعبر الجميلة التي جعلها الله حجة عليهم في كتابه وذكرهم بها في تنزيله ، كالتي عدد عليهم في هذه السورة من حججه وذكرهم فيها ما ذكرهم من آلائه .
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
يقول : وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها أن تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى ، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
أعرض عن أذاهم إياك . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . وقوله :
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن قصد السبيل من المختلفين في السبت وغيره من خلقه ، وحاد الله ، وهو أعلم بمن كان منهم سالكا قصد السبيل ومحجة الحق ، وهو مجاز جميعهم جزاءهم عند ورودهم عليه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
الجزاء على المثلة يقول تعالى ذكره للمؤمنين : وإن عاقبتم أيها المؤمنون من ظلمكم واعتدى عليكم ، فعاقبوه بمثل الذي نالكم به ظالمكم من العقوبة ، ولئن صبرتم عن عقوبته واحتسبتم عند الله ما نالكم به من الظلم ووكلتم أمره إليه حتى يكون هو المتولى عقوبته ،
لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
يقول : للصبر عن عقوبته بذلك خير لأهل الصبر احتسابا وابتغاء ثواب الله ؛ لأن الله يعوضه من الذي أراد أن يناله بانتقامه من ظالمه على ظلمه إياه من لذة الانتصار ، وهو من قوله :
لَهُوَ
كناية عن الصبر وحسن ذلك وإن لم يكن ذكر قبل ذلك الصبر لدلالة قوله :
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ
عليه . وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية وقيل هي منسوخة أو محكمة ؟ فقال بعضهم : نزلت من أجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أقسموا حين فعل المشركون يوم أحد ما فعلوا بقتلى المسلمين من التمثيل بهم أن يجاوزوا فعلهم في المثلة بهم إن رزقوا الظفر عليهم يوما ، فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية وأمرهم أن يقتصروا في التمثيل بهم أن هم ظفروا على مثل الذي كان منهم ، ثم أمرهم بعد ذلك بترك التمثيل وإيثار الصبر عنه بقوله :
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
فنسخ بذلك عندهم ما كان أذن لهم فيه من المثلة .
ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر ، قال : سمعت داود ، عن عامر :
أن المسلمين قالوا لما فعل المشركون بقتلاهم قتلى المسلمين يوم أحد : لئن ظهرنا عليهم لنفعلن ولنفعلن فأنزل الله تعالى :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
قالوا : بل نصبر . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا داود ، عن عامر ، قال : لما رأى المسلمون ما فعل