المشركون بقتلاهم قتلى المسلمين يوم أحد ، من تبقير البطون وقطع المذاكير والمثلة السيئة ، قالوا : لئن أظفرنا الله بهم ، لنفعلن ولنفعلن فأنزل الله فيهم :
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن بعض أصحابه ، عن عطاء بن يسار ، قال : نزلت سورة النحل كلها بمكة ، وهي مكية ، إلا ثلاث آيات في آخرها نزلت في المدينة بعد أحد ، حيث قتل حمزة ومثل به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بثلاثين رجلا منهم " فلما سمع المسلمون بذلك ، قالوا : والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثله لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط فأنزل الله :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
إلى آخر السورة . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
قال المسلمون يوم أحد فقال :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
إلى قوله :
لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
ثم قال بعد :
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : لما أصيب في أهل أحد المثل ، فقال : المسلمون : لئن أصبناهم لنمثلن بهم فقال الله :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
ثم عزم وأخبر فلا يمثل ، فنهي عن المثل ، قال : مثل الكفار بقتلى قتلى المسلمين أحد ، إلا حنظلة بن الراهب ، كان الراهب أبو عامر مع أبي سفيان ، فتركوا حنظلة لذلك . وقال آخرون : نسخ ذلك بقوله في براءة :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
قالوا :
وإنما قال :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
القتال خبرا من الله للمؤمنين أن لا يبدءوهم بقتال حتى يبدءوهم به ، فقال :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
قال : هذا خبر من الله نبيه أن يقاتل من قاتله . قال : ثم نزلت براءة وانسلاخ الأشهر الحرم ؛ قال : فهذا من المنسوخ . وقال آخرون : بل عنى الله تعالى بقوله :
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
نبي الله خاصة دون سائر أصحابه نبي الله ، فكان الأمر بالصبر له عزيمة من الله دونهم . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
قال : أمرهم الله أن يعفوا عن المشركين ، فأسلم رجال لهم منعة ، فقالوا : يا رسول الله ، لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب فنزل القرآن :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
القتال واصبر أنت يا محمد ، ولا تكن في ضيق ممن ينتصر ، وما صبرك إلا بالله . ثم نسخ هذا وأمره بجهادهم ، فهذا كله منسوخ . وقال آخرون : لم يعن بهاتين الآيتين شيء مما ذكر هؤلاء ، وإنما عني بهما أن من ظلم بظلامة فلا يحل له أن ينال ممن ظلمه أكثر مما نال الظالم منه ، وقالوا : الآية محكمة غير منسوخة . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن خالد ، عن ابن سيرين :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ