ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
من ظلم بظلامة يقول : إن أخذ منك رجل شيئا ، فخذ منه مثله . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن منصور ، عن إبراهيم ، قال : إن أخذ منك شيئا فخذ منه مثله . قال الحسن : قال عبد الرزاق : قال سفيان : ويقولون : إن أخذ منك دينارا فلا تأخذ منه إلا دينارا ، وإن أخذ منك شيئا فلا تأخذ منه إلا مثل ذلك الشيء من ظلم بظلامة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
لا تعتدوا من ظلم بظلامة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى ذكره أمر من عوقب من المؤمنين بعقوبة أن يعاقب من عاقبه بمثل الذي عوقب به من ظلم بظلامة ، إن اختار عقوبته ، وأعلمه أن الصبر على ترك عقوبته على ما كان منه إليه خير وعزم على نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصبر ؛ وذلك أن ذلك هو ظاهر التنزيل ، والتأويلات التي ذكرناها عمن ذكروها عنه محتملتها الآية كلها .
فإذا كان ذلك كذلك ، ولم يكن في الآية دلالة على أي ذلك عنى بها من خبر ولا عقل كان الواجب علينا الحكم بها إلى ناطق لا دلالة عليه ؛ وأن يقال : هي آية محكمة أمر الله تعالى ذكره عباده أن لا يتجاوزوا فيما وجب لهم قبل غيرهم من حق من مال أو نفس الحق الذي جعله الله لهم إلى غيره ، وأنها غير منسوخة ، إذ كان لا دلالة على نسخها ، وأن للقول بأنها محكمة وجها صحيحا مفهوما . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واصبر يا محمد على ما أصابك من أذى في الله .
وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
يقول : وما صبرك إن صبرت إلا بمعونة الله وتوفيقه إياك لذلك .
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
يقول : ولا تحزن على هؤلاء المشركين الذين يكذبونك وينكرون ما جئتهم به في آن ولوا عنك وأعرضوا عما أتيتهم به من النصيحة .
وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ
يقول : ولا يضق صدرك بما يقولون من الجهل ونسبتهم ما جئتهم به إلى أنه سحر أو شعر أو كهانة .
مِمَّا يَمْكُرُونَ
مما يحتالون بالخدع في الصد عن سبيل الله من أراد الإيمان بك والتصديق بما أنزل الله إليك . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء العراق :
وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ
بفتح الضاد في الضيق على المعنى الذي وصفت من تأويله . وقراءة بعض قراء أهل المدينة : " ولا تك في ضيق " بكسر الضاد . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأه :
فِي ضَيْقٍ
بفتح الضاد ، لأن الله تعالى إنما نهى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يضيق صدره مما يلقى من أذى المشركين على تبليغه إياهم وحي الله وتنزيله ، فقال له :
فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ
وقال :
فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ
وإذ كان ذلك هو الذي نهاه تعالى ذكره ، ففتح الضاد هو الكلام المعروف من كلام العرب في ذلك المعنى ، تقول العرب : في صدري من هذا الأمر ضيق ، وإنما تكسر الضاد في الشيء الذي يتسع إحيانا ويضيق من قلة المعاش وضيق المسكن ونحو ذلك . فإن وقع الضيق بفتح الضاد في موضع